اقتصاد تحت الحصار: الضفة الغربية والقدس الشرقية بين فقدان الدخل، شلل الحركة، وأزمة المقاصة منذ 7 أكتوبر 2023
غزة الذاكرة الحية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية مرحلة غير مسبوقة من الانكماش الاقتصادي، نتيجة تداخل ثلاث صدمات رئيسية تتمثل في فقدان سوق العمل داخل إسرائيل، تشديد القيود على الحركة داخل الضفة الغربية، وتصاعد الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية بسبب احتجاز أموال المقاصة. وتشير بيانات صادرة عن البنك الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، ومنظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن الاقتصاد الفلسطيني تعرض لانكماش يُعد من الأعمق في تاريخه الحديث، مع آثار ممتدة طالت سوق العمل والإنتاج والاستهلاك والمالية العامة. أولاً: انكماش اقتصادي تاريخي تشير بيانات البنك الدولي وUNCTAD إلى أن الاقتصاد الفلسطيني سجل خلال عام 2024 انكماشاً بنحو 27%، وهو من أعلى معدلات التراجع المسجلة في المنطقة خلال فترة قصيرة. كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 70% من مستواه في عام 2022، فيما تراجع نصيب الفرد من الدخل إلى مستويات تعود إلى أوائل الألفية، بما يعادل فقدان أكثر من 22 عاماً من التقدم الاقتصادي. وفي الضفة الغربية تحديداً، تراوحت تقديرات الانكماش بين 19% و23%، نتيجة تراجع الاستهلاك المحلي، وتوقف جزء واسع من الاستثمارات، وتعطل الحركة التجارية الداخلية بين المدن والقرى. ثانياً: سوق العمل – فقدان عشرات آلاف الوظائف قبل 7 أكتوبر 2023، كان يعمل داخل إسرائيل والمستوطنات نحو 177,000 عامل فلسطيني من الضفة الغربية، وهو ما شكل أحد أهم مصادر الدخل للاقتصاد الفلسطيني. بعد اندلاع الحرب، انخفض عدد العمال المسموح لهم بالعمل إلى نحو 24,000 عامل فقط، ما يعني فقدان نحو 153,000 فرصة عمل مباشرة، بنسبة تراجع تقارب 86%. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يخسر يومياً نحو 25.5 مليون دولار من دخل العمال، وهو ما يعادل نحو 765 مليون دولار شهرياً، وحوالي 9.3 مليار دولار سنوياً من الأجور المفقودة. وقد انعكس هذا التراجع بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر، وارتفاع مستويات المديونية، وتراجع الطلب في الأسواق المحلية، إضافة إلى ضغوط متزايدة على الجهاز المصرفي. ثالثاً: البطالة – أزمة متفاقمة في سوق العمل وفق بيانات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ارتفعت معدلات البطالة في الضفة الغربية من نحو 13% قبل الحرب إلى ذروة وصلت إلى نحو 35% في الأشهر الأولى من الأزمة، قبل أن تستقر لاحقاً عند مستويات تتراوح بين 28% و29% خلال عام 2025. وبناءً على تقديرات حجم القوى العاملة في الضفة الغربية والتي تقارب 900 ألف عامل، فإن هذه النسب تعني وجود ما بين 250 ألفاً و315 ألف عاطل عن العمل، وهو مستوى غير مسبوق في السوق الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة. رابعاً: أموال المقاصة – الأزمة المالية الأشد تشكل أموال المقاصة التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية العمود الفقري للإيرادات العامة، إذ تمثل أكثر من 65% من دخل الخزينة الفلسطينية. وفي تصريحات رسمية لوزير المالية الفلسطيني، أشار إلى أن إسرائيل تحتجز وتقتطع جزءاً كبيراً من أموال المقاصة، وأن إجمالي الأموال المجمدة والمحتجزة يقدَّر بنحو يتراوح بين 4.4 و5 مليارات دولار، وهو ما يعكس حجم الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية خلال العامين الأخيرين. وتؤكد وزارة المالية أن هذه الاقتطاعات تراكمت خلال السنوات الأخيرة، وأدت إلى أزمة سيولة حادة انعكست على انتظام دفع الرواتب، حيث تم صرف رواتب جزئية في فترات متعددة، إضافة إلى توسع الاعتماد على الاقتراض من البنوك المحلية وتأجيل التزامات تجاه القطاع الخاص. كما تشير تقديرات البنك الدولي وUNCTAD إلى أن إجمالي الاقتطاعات الإسرائيلية من عائدات المقاصة خلال الفترة 2019–2025 يتراوح بين 1.7 و2.0 مليار دولار، ما يجعل ملف المقاصة أحد أخطر مصادر الضغط المالي على الاقتصاد الفلسطيني. خامساً: الحواجز والإغلاقات وتفكك الجغرافيا الاقتصادية تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن عدد العوائق والحواجز في الضفة الغربية ارتفع من نحو 642 عائقاً في منتصف عام 2023 إلى نحو 793 عائقاً في عام 2024، ثم إلى نحو 925 عائقاً بحلول عام 2025، بما يعكس زيادة تقارب 43%. وقد أدت هذه القيود إلى إطالة زمن التنقل بين المدن الفلسطينية إلى ما بين ضعفين وخمسة أضعاف، وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وتعطل سلاسل التوريد الداخلية، وتحويل الضفة الغربية إلى مناطق اقتصادية شبه منفصلة، ما أثر بشكل مباشر على التجارة والإنتاج. سادساً: القطاع الخاص – انكماش واسع في النشاط الاقتصادي تشير استطلاعات اقتصادية إلى أن نحو 95% من الشركات الفلسطينية سجلت انخفاضاً في المبيعات، فيما أفادت 76% من الشركات بوجود مشاكل في النقل والتوزيع، وأشارت نحو 29% منها إلى أنها اضطرت إلى الإغلاق الجزئي أو الكامل خلال فترات من الأزمة. ويعكس ذلك حالة تراجع واسعة في النشاط الاقتصادي نتيجة انخفاض الطلب وتدهور القدرة الشرائية. سابعاً: قطاع البناء والزراعة يعد قطاع البناء من أكثر القطاعات تضرراً بسبب اعتماده الكبير على العمال الفلسطينيين في الداخل، حيث أدى توقف دخول العمال إلى إسرائيل إلى شلل جزئي في القطاع، وتوقف أو تباطؤ آلاف المشاريع السكنية، إضافة إلى انخفاض الطلب على مواد البناء وخسائر تُقدّر بمئات ملايين الدولارات. أما القطاع الزراعي، فقد تأثر نتيجة منع الوصول إلى أراضٍ قريبة من الجدار والمستوطنات، وتراجع مواسم الإنتاج، خصوصاً موسم الزيتون في عامي 2023 و2024، إضافة إلى صعوبات في التسويق والنقل، ما أدى إلى خسائر متراكمة في دخل المزارعين. ثامناً: الاقتحامات والأثر الاقتصادي غير المباشر أدت الاقتحامات العسكرية المتكررة في مدن ومخيمات الضفة الغربية إلى إغلاقات متكررة للأسواق، وتعطيل المؤسسات التعليمية والاقتصادية لساعات أو أيام، إضافة إلى أضرار في البنية التحتية من طرق ومياه وكهرباء واتصالات، ما تسبب بخسائر تشغيلية يومية غير مباشرة، يصعب حصرها بدقة لكنها تتكرر بشكل مستمر في عدة مناطق. تاسعاً: القدس الشرقية – اقتصاد تحت الضغط شهدت القدس الشرقية تراجعاً ملحوظاً في النشاط الاقتصادي، خاصة في قطاع السياحة الداخلية والدينية، وانخفاض حركة الأسواق في البلدة القديمة، إلى جانب إغلاق أو تقليص عمل مئات المنشآت التجارية، وتراجع أداء قطاعي الفنادق والمطاعم نتيجة تراجع الحركة القادمة من الضفة الغربية. تشير مجمل البيانات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية دخل منذ 7 أكتوبر 2023 مرحلة من الانكماش العميق والمتداخل، حيث تزامن فقدان عشرات آلاف الوظائف، مع أزمة سيولة حادة نتيجة احتجاز أموال المقاصة، وتقييد الحركة الداخلية عبر الحواجز والإغلاقات. وبحسب البنك الدولي، فإن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى ترسيخ حالة من الركود الاقتصادي طويل الأمد، يصعب تعويضها حتى في حال حدوث تحسن سياسي أو أمني لاحق، ما يجعل الأزمة الحالية واحدة من أخطر التحولات الاقتصادية التي يشهدها الاقتصاد الفلسطيني في تاريخه الحديث..