جرحى غزة.. حرب مستمرة وإصابات تبقى لعقود: آلاف حالات البتر والإعاقات وسط انهيار المنظومة الصحية
غزة الذاكرة الحية- تشير أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المصابين في غزة منذ أكتوبر 2023 تجاوز 172 ألف جريح، فيما تعرّض نحو 43 ألف شخص لإصابات وصفت بأنها "مغيرة للحياة" وتحتاج إلى رعاية وتأهيل طويل الأمد، من بينهم نحو 10 آلاف طفل. ورغم تنفيذ عمليات إجلاء طبي محدودة إلى الخارج، فإن الغالبية الساحقة من الجرحى تلقوا العلاج داخل قطاع غزة، في مستشفيات ومراكز طبية كانت تعاني أصلاً من نقص حاد في الأسرة والأدوية والمستلزمات الجراحية والكوادر المتخصصة. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 18,500 مريض وجريح كانوا بانتظار الإجلاء الطبي حتى عام 2026، ما يعني أن عشرات الآلاف اضطروا لتلقي العلاج محلياً رغم محدودية الإمكانات. من حيث طبيعة الإصابات، تظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن إصابات الأطراف شكّلت الفئة الأكبر بين الجرحى، حيث سُجل أكثر من 22 ألف مصاب بإصابات خطيرة في الذراعين أو الساقين، كثير منها نتج عنه تهتك شديد في العظام والأنسجة والأعصاب. كما سُجل أكثر من 5 آلاف حالة بتر أطراف مرتبطة مباشرة بإصابات الحرب، إضافة إلى أكثر من 3400 إصابة حروق شديدة، وأكثر من ألفي إصابة في الحبل الشوكي، وأكثر من 1300 إصابة دماغية رضحية خطيرة. وتُعد إصابات البتر من أكثر الملفات تعقيداً. فوفق بيانات منظمة الصحة العالمية، جرى تقييم أكثر من 2270 مبتوراً بين عامي 2024 و2026، بينما تمكن نحو 500 فقط من الحصول على أطراف صناعية دائمة بسبب النقص الحاد في المعدات والمواد اللازمة. كما أن 76% من حالات البتر المسجلة كانت في الأطراف السفلية، وقرابة ثلثها كانت حالات بتر فوق الركبة، وهي من أكثر الحالات تعقيداً من ناحية التأهيل وإعادة الحركة. أما إصابات الحبل الشوكي، والتي تجاوزت ألفي حالة، فقد خلّفت آلاف المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية وتأهيل متخصص لسنوات طويلة. وتشير تقارير صحية إلى أن جزءاً من هؤلاء يعاني من إعاقات حركية دائمة أو جزئية تتطلب كراسٍ متحركة وأجهزة مساعدة وخدمات تأهيل متواصلة، في وقت تعاني فيه مراكز التأهيل في غزة من نقص شديد في التجهيزات. وفي ملف الحروق، تم تسجيل أكثر من 3400 إصابة حروق خطيرة، كثير منها بين الأطفال والنساء. وتحتاج هذه الحالات إلى عمليات جراحية متكررة وترقيع جلدي وعلاج طويل الأمد، وهو ما شكل ضغطاً إضافياً على المستشفيات التي كانت تعمل في ظروف استثنائية. كما وثقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 13 ألف مريض سجلوا للحصول على خدمات إعادة بناء الأطراف والجراحات الترميمية خلال الفترة بين منتصف 2025 ومنتصف 2026، وتبين أن نحو نصف الحالات التي جرى تقييمها تحتاج إلى عمليات جراحية إضافية لإعادة ترميم العظام أو الأنسجة المتضررة. على مستوى الخدمات الصحية، لم يكن التحدي مقتصراً على أعداد الجرحى، بل شمل أيضاً انهيار جزء كبير من المنظومة الصحية نفسها. فبحلول عام 2025 كانت أقل من 14 مستشفى من أصل 36 مستشفى تعمل بشكل جزئي فقط، بينما تراجع عدد مراكز التأهيل العاملة إلى أقل من ثلث مستواها قبل الحرب. كما تجاوزت قوائم الانتظار في بعض أقسام التأهيل مئات المرضى، ما اضطر العديد من المستشفيات إلى إخراج المرضى قبل اكتمال علاجهم لإفساح المجال لحالات جديدة. وفي جانب الأطفال، تشير البيانات الدولية إلى أن نحو ربع الإصابات المغيّرة للحياة كانت بين الأطفال، أي ما يقارب 10 آلاف طفل أصيبوا بإعاقات أو إصابات خطيرة سترافق كثيراً منهم لسنوات طويلة. كما أظهرت بيانات طبية من مستشفيات ميدانية دعمتها منظمة أطباء بلا حدود أن الأطفال شكلوا نسبة كبيرة من حالات الإصابات التي احتاجت إلى متابعة طويلة الأمد. ولا تقتصر معاناة الجرحى على الإصابات الجسدية فقط، إذ تشير منظمات صحية وإنسانية إلى أن عشرات الآلاف يعانون من آثار نفسية شديدة مرتبطة بفقدان الأطراف أو أفراد الأسرة أو التعرض لإصابات بالغة، ما يجعل الحاجة إلى التأهيل النفسي والاجتماعي جزءاً أساسياً من عملية العلاج والتعافي. وبعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لم يعد ملف الجرحى في غزة مجرد أزمة طبية طارئة، بل تحول إلى واحدة من أكبر أزمات التأهيل والإعاقة طويلة الأمد في العالم. فبين أكثر من 172 ألف مصاب، و43 ألف إصابة مغيرة للحياة، وآلاف حالات البتر وإصابات الحبل الشوكي والحروق والإصابات الدماغية، يواجه النظام الصحي في غزة تحدياً يمتد لسنوات طويلة، حتى بعد توقف العمليات العسكرية، بسبب الحاجة إلى العلاج والجراحات الترميمية والأطراف الصناعية والتأهيل المستمر لعشرات الآلاف من المصابين..