2026-06-12
قطاع إعادة إعمار غزة.. بين ركام البنية التحتية وتعقيدات التمويل والحوكمة وتداخل المسارات السياسية (2023 – 2026)
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل قطاع غزة مرحلة تدمير غير مسبوقة في تاريخه الحديث، لم يقتصر أثرها على البنية السكنية أو الخدماتية فقط، بل امتد ليطال الأسس التي يقوم عليها أي اقتصاد قابل للحياة. ومع اتساع رقعة الدمار، لم يعد الحديث عن “إعادة إعمار” بالمعنى التقليدي، بل عن إعادة تأسيس شبه كاملة لمدينة منكوبة على مستوى البنية التحتية والاقتصاد والخدمات والحوكمة في آن واحد.
وفق التقييم المشترك الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في 2026، فإن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة تُقدّر بنحو 71.4 مليار دولار خلال السنوات القادمة، منها ما يقارب 26.3 مليار دولار مطلوبة بشكل عاجل في المرحلة الأولى لإعادة تشغيل الحد الأدنى من الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية. وتُظهر هذه الأرقام أن حجم الدمار تجاوز القدرة التقليدية لأي عملية إعادة إعمار سابقة في المنطقة، سواء من حيث الكلفة أو الزمن أو التعقيد المؤسسي.
في المشهد الميداني، تبدو غزة بعد الحرب وكأنها فقدت بنيتها الحضرية الأساسية. آلاف المباني السكنية دُمّرت كلياً أو جزئياً، فيما تضررت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي بشكل واسع، إلى درجة باتت فيها أجزاء كبيرة من القطاع خارج الخدمة الفعلية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مئات الآلاف من الوحدات السكنية تعرضت للتدمير أو الضرر، في حين خرجت نسبة كبيرة من المستشفيات والمدارس عن الخدمة، إما نتيجة الدمار المباشر أو بسبب توقف الإمدادات التشغيلية الأساسية.
هذا المستوى من الانهيار يعني أن عملية الإعمار لا تبدأ من إعادة البناء فقط، بل من مرحلة “إزالة الدمار” التي تشكل بحد ذاتها تحدياً هندسياً ولوجستياً هائلاً. فالكميات الهائلة من الركام، التي تُقدّر بعشرات ملايين الأطنان، تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل، وإلى بنية تشغيلية غير متوفرة حالياً، تشمل معدات ثقيلة، طرق آمنة للنقل، ومواقع معالجة للنفايات الإنشائية.
في موازاة ذلك، يبرز تحدي التمويل بوصفه أحد أكثر العوائق تعقيداً. فحتى مع وجود تقديرات دولية كبيرة للاحتياجات، إلا أن آلية تحويل هذه التقديرات إلى تمويل فعلي تبقى مرتبطة بعوامل سياسية وإدارية واشتراطات دولية. التجارب السابقة في مناطق نزاع مشابهة تشير إلى أن التمويل لا يصل بشكل متكامل أو فوري، بل عبر مراحل مجزأة ترتبط بالاستقرار السياسي، وآليات الرقابة، وضمانات الشفافية، وهو ما يجعل فجوة التمويل في السنوات الأولى من الإعمار فجوة هيكلية وليست مؤقتة.
إلى جانب ذلك، تبرز إشكالية الحوكمة كأحد أكثر الملفات حساسية في عملية الإعمار. فإدارة ملف بهذا الحجم تتطلب إطاراً تنفيذياً واضحاً، بينما الواقع يشير إلى تداخل عدة أطراف في المشهد: مؤسسات السلطة الفلسطينية في رام الله، وكالات الأمم المتحدة، الجهات المانحة الدولية، إضافة إلى الواقع الإداري القائم داخل قطاع غزة. هذا التعدد في مراكز القرار لا يخلق فقط تعقيداً إدارياً، بل ينعكس أيضاً على سرعة التنفيذ، وتوزيع المشاريع، وآليات الرقابة المالية والفنية.
ومع غياب إطار موحد لإدارة الإعمار في مراحله الأولى، تصبح عملية التنسيق بين هذه الأطراف عاملاً حاسماً، لكنه في الوقت نفسه مصدر تأخير محتمل، خاصة في المشاريع الكبرى التي تتطلب قرارات مركزية واستقراراً مؤسسياً طويل الأمد.
أما على مستوى البنية التحتية، فإن التحدي يتجاوز إعادة بناء المباني إلى إعادة تشغيل منظومات كاملة انهارت بشكل شبه كامل. فشبكات الكهرباء، التي كانت تعتمد أساساً على إمدادات خارجية ومولدات محدودة، تعرضت لانقطاع واسع، فيما تضررت محطات المياه والصرف الصحي إلى درجة تجعل إعادة تشغيلها مرتبطة بإعادة بناء البنية التحتية نفسها وليس فقط صيانتها. كما أن شبكة الطرق، التي تمثل شريان الحركة الاقتصادية والإنسانية، تعرضت لأضرار واسعة أثرت على إمكانية التنقل ونقل المواد والمساعدات.
في السياق الاقتصادي، لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية نفسها. فالسوق المحلي في غزة فقد قدرته الإنتاجية والاستهلاكية في آن واحد، ما يعني أن إعادة البناء تحتاج بالتوازي إلى إعادة إطلاق القطاعات الإنتاجية الأساسية، مثل الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات. لكن هذا المسار بدوره يعتمد على توفر المواد الخام، واستقرار سلاسل الإمداد، وإمكانية الحركة التجارية، وهي عوامل ما تزال مرتبطة بالوضع السياسي والأمني العام.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن قطاعي الإسكان والبنية التحتية يشكلان النسبة الأكبر من تكلفة الإعمار، يليهما قطاع الخدمات الأساسية، وهو ما يعكس طبيعة الأولويات في المرحلة الأولى، حيث يتركز الجهد على إعادة تأهيل الحد الأدنى من شروط الحياة اليومية قبل الانتقال إلى مشاريع التنمية طويلة الأمد.
في خلفية هذا المشهد، يظهر التحدي الزمني كعامل لا يقل أهمية عن التمويل. فحتى في حال توفر الموارد المالية، فإن عملية إعادة إعمار بهذا الحجم تحتاج إلى سنوات طويلة من التنفيذ المتدرج، تبدأ بإزالة الركام، ثم إعادة تأهيل البنية الأساسية، ثم إعادة بناء الوحدات السكنية، وأخيراً إعادة تشغيل الاقتصاد بشكل تدريجي.
وبين هذه المراحل، يبقى العامل الأكثر حساسية هو الاستقرار السياسي والإداري، إذ إن أي خلل في هذا المستوى ينعكس مباشرة على وتيرة الإعمار، ويعيد تأخير المشاريع إلى نقطة البداية.
في المحصلة، لا يبدو أن إعادة إعمار غزة بعد 2023 تمثل مشروعاً إنشائياً بالمعنى التقليدي، بل تمثل عملية إعادة بناء شاملة لمنظومة حياة كاملة، تتقاطع فيها الهندسة مع الاقتصاد مع السياسة مع الحوكمة. وهو ما يجعل هذا الملف واحداً من أكثر ملفات إعادة الإعمار تعقيداً في العصر الحديث، ليس فقط بسبب حجم الدمار، بل بسبب طبيعة البيئة التي يتم فيها هذا الإعمار، وتعقيد الأطراف المتداخلة فيه، وطول الأفق الزمني المطلوب لإنجازه..