2026-06-15
من 7 أكتوبر 2023 إلى منتصف 2026: الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية بالأرقام.. أكبر عملية ابتلاع للأرض الفلسطينية منذ عام 1967
| غزة الذاكرة الحية
في الوقت الذي انشغل فيه العالم بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت الضفة الغربية المحتلة تشهد تحولات ميدانية عميقة ومتسارعة، تمثلت في أكبر موجة توسع استيطاني إسرائيلي منذ احتلالها عام 1967.
فبينما تركزت أنظار المجتمع الدولي على الدمار الهائل في غزة، استغلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ظروف الحرب لفرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية، عبر تسريع البناء الاستيطاني، وشرعنة البؤر الاستيطانية، ومصادرة الأراضي، وتوسيع نفوذ المستوطنين، بما يغير الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة بصورة غير مسبوقة.
اليوم، وبعد ما يقارب ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، باتت الضفة الغربية أمام واقع جديد عنوانه التوسع الاستيطاني المتسارع، الذي يرى مراقبون أنه يشكل أخطر مرحلة في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي منذ عقود.
الاستيطان بعد 7 أكتوبر.. أرقام غير مسبوقة
تشير المعطيات الصادرة عن مؤسسات فلسطينية وإسرائيلية ودولية متخصصة بمتابعة النشاط الاستيطاني إلى أن إسرائيل دفعت منذ أكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2026 بمخططات تشمل أكثر من 68 ألف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وخلال الأشهر الأخيرة من عام 2023 فقط، صادقت السلطات الإسرائيلية على ما يزيد عن 12 ألف وحدة استيطانية جديدة، في أعلى رقم يسجل خلال عام واحد منذ سنوات طويلة.
أما خلال عام 2024 فقد شهدت الضفة الغربية والقدس طفرة استيطانية واسعة، تمثلت بالمصادقة على نحو 28,872 وحدة استيطانية جديدة، بينها قرابة 19 ألف وحدة في القدس المحتلة وحدها.
وفي عام 2025 استمر التصاعد بوتيرة أكبر، حيث تمت المصادقة على نحو 27,941 وحدة استيطانية إضافية، فيما اعتبره مراقبون عاماً قياسياً في تاريخ التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.
ومع بداية عام 2026، واصلت الحكومة الإسرائيلية الدفع بمخططات جديدة لبناء آلاف الوحدات السكنية الإضافية في مختلف أنحاء الضفة الغربية.
شرعنة البؤر الاستيطانية.. تغيير قواعد اللعبة
إحدى أخطر التحولات التي أعقبت السابع من أكتوبر تمثلت في الانتقال من سياسة التوسع داخل المستوطنات القائمة إلى سياسة إنشاء مستوطنات جديدة بصورة رسمية.
فخلال هذه الفترة تم إنشاء أو شرعنة أكثر من 120 بؤرة استيطانية جديدة في مختلف مناطق الضفة الغربية.
كما أقرت الحكومة الإسرائيلية خلال عام 2025 شرعنة 22 مستوطنة دفعة واحدة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993.
وخلال عام 2026 كشفت منظمات مراقبة الاستيطان عن قرارات إسرائيلية لإنشاء عشرات المستوطنات الجديدة، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المناطق المصنفة "ج" وربط المستوطنات ببعضها البعض.
المنطقة "ج".. الهدف الرئيسي
تركزت غالبية المشاريع الاستيطانية الجديدة في المنطقة المصنفة "ج"، والتي تشكل ما يقارب 61% من مساحة الضفة الغربية.
وتعد هذه المنطقة الخزان الاستراتيجي للأراضي الفلسطينية، حيث تضم غالبية الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية والمياه الجوفية.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، شهدت هذه المناطق توسعاً استيطانياً واسعاً، تمثل في إنشاء طرق التفافية جديدة، وإقامة مزارع رعوية استيطانية، والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.
وتشير تقديرات حقوقية إلى أن المستوطنات والمجالس الاستيطانية باتت تفرض نفوذاً مباشراً أو غير مباشر على عشرات النسب المئوية من أراضي الضفة الغربية.
القدس.. قلب المشروع الاستيطاني
احتلت القدس مكانة مركزية في مخططات التوسع الاستيطاني بعد السابع من أكتوبر.
فقد دفعت الحكومة الإسرائيلية بمشاريع ضخمة تهدف إلى تعزيز الطوق الاستيطاني المحيط بالمدينة، وتوسيع المستوطنات القائمة، وإنشاء أحياء استيطانية جديدة.
ويرى مختصون أن الهدف الرئيسي لهذه المشاريع يتمثل في منع أي تواصل جغرافي فلسطيني بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وعزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وفرض أغلبية ديموغرافية إسرائيلية دائمة داخل المدينة.
عنف المستوطنين.. أداة موازية للتوسع
لم يقتصر التوسع الاستيطاني على البناء فقط، بل ترافق مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين.
فمنذ أكتوبر 2023 سجلت المؤسسات الحقوقية آلاف الاعتداءات التي استهدفت القرى والتجمعات الفلسطينية.
وشملت هذه الاعتداءات حرق المنازل والمركبات، واقتلاع الأشجار، ومهاجمة المزارعين والرعاة، وإغلاق الطرق، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية.
وأدى ذلك إلى تهجير العديد من التجمعات البدوية والرعوية، خاصة في الأغوار الشمالية ومسافر يطا ومحيط رام الله ونابلس.
التهجير الصامت للفلسطينيين
يعتبر خبراء حقوق الإنسان أن أحد أخطر آثار التوسع الاستيطاني خلال هذه المرحلة يتمثل في عمليات التهجير القسري غير المعلنة.
فبفعل اعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي والقيود العسكرية، اضطرت عائلات فلسطينية كثيرة إلى مغادرة مناطق سكنها التاريخية.
وتشير تقارير أممية إلى أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين تأثروا بشكل مباشر بسياسات الاستيطان والعنف المرتبط به خلال الفترة التي أعقبت الحرب على غزة.
الضم الفعلي للضفة الغربية
يرى عدد متزايد من الخبراء والباحثين أن ما يجري في الضفة الغربية بعد السابع من أكتوبر لم يعد مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل تحول إلى عملية ضم تدريجي وفعلي للأراضي الفلسطينية.
ويتجسد ذلك من خلال:
* إنشاء مستوطنات جديدة بصورة رسمية.
* توسيع صلاحيات المجالس الاستيطانية.
* شق طرق وبنى تحتية دائمة للمستوطنين.
* ربط المستوطنات مباشرة بالمؤسسات والوزارات الإسرائيلية.
* تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة.
ويحذر مراقبون من أن هذه الإجراءات تجعل إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
تشكل السنوات التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023 واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ففي الوقت الذي شهد فيه قطاع غزة حرباً مدمرة غير مسبوقة، كانت الضفة الغربية تواجه معركة من نوع آخر، عنوانها إعادة رسم الخريطة على الأرض عبر التوسع الاستيطاني.
وبين آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، وعشرات المستوطنات والبؤر التي أقيمت أو جرى شرعنتها، وموجات التهجير والعنف المتصاعدة، تبدو الضفة الغربية اليوم أمام واقع مختلف جذرياً عما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر 2023.
ولهذا، ينظر العديد من الباحثين والمؤرخين إلى هذه المرحلة باعتبارها نقطة تحول مفصلية في تاريخ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، ومرحلة ستبقى حاضرة في الذاكرة الفلسطينية بوصفها واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية منذ احتلال عام 1967..