2026-06-10

من اقتصادٍ محاصر إلى اقتصادٍ تحت الأنقاض.. الخسائر الاقتصادية في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023

غزة الذاكرة الحية- 9/6/2026- عندما اندلعت الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن الدمار مقتصرًا على المباني السكنية أو المنشآت المدنية، بل امتد ليطال البنية الاقتصادية بأكملها. خلال أشهر قليلة، تعرض اقتصاد القطاع لضربة غير مسبوقة، دفعت المؤسسات الدولية إلى وصف ما جرى بأنه أحد أكبر الانهيارات الاقتصادية التي شهدها العالم في منطقة محدودة المساحة خلال العصر الحديث. فغزة، التي تبلغ مساحتها نحو 365 كيلومترًا مربعًا ويقطنها أكثر من 2.3 مليون نسمة، كانت تعاني أصلًا من آثار حصار مستمر منذ عام 2007، وبطالة تجاوزت 45% قبل الحرب، واقتصاد هش يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية. ومع اندلاع الحرب، انهارت معظم القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والخدمية، وتعرضت البنية التحتية لدمار واسع النطاق. وبحسب التقييم المشترك الصادر عن الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي في فبراير/شباط 2025، بلغت قيمة الأضرار المباشرة نحو 30 مليار دولار، فيما وصلت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف الأنشطة الإنتاجية والخدمية إلى نحو 19 مليار دولار، ليصل إجمالي الأضرار والخسائر إلى ما يقارب 49 مليار دولار خلال السنة الأولى للحرب فقط. الفصل الأول: اقتصاد فقد معظم قدرته على الحياة قبل الحرب، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة نحو 3 مليارات دولار سنويًا، رغم الحصار والقيود المفروضة على الحركة والتجارة. لكن خلال عام 2024، سجل الاقتصاد الغزي أكبر انهيار في تاريخه الحديث. تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 83% خلال عام 2024، بينما تراجع الناتج المحلي إلى نحو 362 مليون دولار فقط. هذا الانهيار يعني أن معظم الأنشطة الاقتصادية توقفت أو تلاشت، وأن آلاف المنشآت لم تعد قادرة على العمل أو الإنتاج. كما ارتفعت البطالة إلى ما يقارب 80% من القوى العاملة، وأصبح معظم سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الإنسانية والغذائية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب محت ما يقارب سبعة عقود من مسار التنمية البشرية والاقتصادية في غزة. الفصل الثاني: الإسكان والعقارات... تدمير الثروة المتراكمة يعد قطاع الإسكان أكبر القطاعات المتضررة من الحرب. فالعقار في غزة لم يكن مجرد مأوى، بل كان يمثل مخزنًا للثروة ومدخرات العائلات الفلسطينية التي استثمرت سنوات طويلة في بناء منازلها وشققها وممتلكاتها. وفق تقييم البنك الدولي: * بلغت قيمة الأضرار في قطاع الإسكان نحو 15.9 مليار دولار. * استحوذ القطاع السكني على 53% من إجمالي الأضرار المسجلة. * تضررت أو دمرت أكثر من 292 ألف وحدة سكنية. * تضررت أحياء كاملة في غزة المدينة وجباليا وبيت حانون وبيت لاهيا وخان يونس ورفح. وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 70% من مباني القطاع تعرضت للتدمير أو الضرر بدرجات متفاوتة. ولم تؤد هذه الخسائر إلى أزمة إسكان فقط، بل تسببت في انهيار جزء كبير من سوق العقارات والإنشاءات وفقدان عشرات آلاف الوظائف المرتبطة بهذا القطاع. الفصل الثالث: التجارة والصناعة... توقف محركات الإنتاج قبل الحرب، كانت آلاف المنشآت الصناعية والتجارية تشكل العمود الفقري للاقتصاد الغزي. وقد ضمت غزة: * مصانع الأغذية. * مصانع الملابس والنسيج. * مصانع الأثاث. * الصناعات البلاستيكية. * الصناعات المعدنية. * الورش الحرفية الصغيرة. لكن الحرب أدت إلى: * تدمير أو إغلاق آلاف المنشآت. * تدمير مخازن البضائع والمواد الخام. * توقف شبه كامل للإنتاج الصناعي. ووفق تقديرات المؤسسات الدولية: * انخفض الإنتاج الصناعي بأكثر من 90%. * تراجع نشاط قطاع الإنشاءات بنسبة 96%. * استحوذ قطاع التجارة والصناعة على نحو 20% من إجمالي الأضرار المباشرة. وأدى ذلك إلى فقدان عشرات آلاف فرص العمل وانهيار القدرة الإنتاجية المحلية. الفصل الرابع: الزراعة... خسارة الأرض ومصدر الغذاء قبل الحرب كان القطاع الزراعي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي. فقد ساهم بما يقارب 10% من الناتج المحلي، ووفر دخلاً مباشرًا وغير مباشر لمئات آلاف المواطنين. لكن صور الأقمار الصناعية وتقارير الأمم المتحدة أظهرت حجمًا هائلًا من التدمير. بحلول عام 2025: * تضرر نحو 86% من الأراضي الزراعية. * لم يبق سوى 1.5% من الأراضي الزراعية قابلة للاستخدام الآمن. * تضرر 71% من البيوت البلاستيكية. * تضرر أكثر من 80% من الآبار الزراعية. وتشير تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية إلى: * تدمير أكثر من 178 ألف دونم زراعي. * تدمير ما يقارب 1000 بئر زراعي. * تدمير مئات مزارع الأبقار والأغنام والدواجن. كما فقد آلاف المزارعين مصدر دخلهم الوحيد. الفصل الخامس: الثروة الحيوانية والسمكية تعرض قطاع الثروة الحيوانية لخسائر ضخمة نتيجة تدمير المزارع ونفوق الحيوانات بسبب القصف ونقص الأعلاف. وتشمل الخسائر: * آلاف رؤوس الأبقار. * عشرات آلاف الأغنام والماعز. * ملايين الدواجن. * مزارع إنتاج البيض والحليب. أما قطاع الصيد البحري فقد تعرض لضربة قاسية: * تدمير عدد كبير من قوارب الصيد. * تضرر الموانئ ومرافئ الصيادين. * توقف آلاف الصيادين عن العمل. وكان القطاع يوفر دخلاً مباشرًا وغير مباشر لنحو 100 ألف شخص قبل الحرب. الفصل السادس: الكهرباء والطاقة تمثل الكهرباء عصب الاقتصاد الحديث، لكن هذا القطاع تعرض لدمار واسع. تشير تقديرات رسمية فلسطينية إلى: * تدمير آلاف الأمتار من شبكات الكهرباء. * تدمير أو تضرر محولات رئيسية. * تعطل محطة التوليد الوحيدة لفترات طويلة. كما دُمر ما يزيد على 3000 كيلومتر من شبكات الكهرباء. وأدى ذلك إلى: * توقف المصانع. * تعطيل المستشفيات. * تراجع الإنتاج الزراعي. * انهيار خدمات المياه والاتصالات. الفصل السابع: المياه والصرف الصحي قبل الحرب كانت غزة تعاني أصلًا أزمة مياه مزمنة. لكن الحرب فاقمت الوضع بصورة غير مسبوقة. وتشير التقديرات إلى: * تدمير أكثر من 700 بئر مياه. * تضرر محطات الضخ. * تدمير أجزاء واسعة من شبكات المياه. * تضرر محطات التحلية. كما تضررت مئات الكيلومترات من شبكات الصرف الصحي. وأدى ذلك إلى تراجع إمدادات المياه وارتفاع المخاطر البيئية والصحية. الفصل الثامن: قطاع الصحة شكل القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات استهدافًا خلال الحرب. ووفق تقديرات الأمم المتحدة: * تعرضت غالبية المستشفيات لأضرار جسيمة. * خرج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة كليًا أو جزئيًا. * تضررت عشرات المراكز الصحية والعيادات. كما فقد القطاع: * أجهزة طبية متقدمة. * مختبرات. * سيارات إسعاف. * مخازن أدوية. وتقدر الخسائر بمئات ملايين الدولارات. الفصل التاسع: التعليم... خسارة رأس المال البشري قبل الحرب كان في غزة: * مئات المدارس الحكومية والخاصة. * الجامعات والكليات والمعاهد. لكن الحرب أدت إلى: * تدمير أو تضرر غالبية المؤسسات التعليمية. * توقف الدراسة لفترات طويلة. * حرمان مئات آلاف الطلبة من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 90% من المباني التعليمية تعرضت للتدمير أو الضرر. ولا تقتصر الخسارة هنا على المباني فقط، بل تشمل خسارة سنوات تعليمية كاملة وتأثيرات طويلة المدى على رأس المال البشري. الفصل العاشر: الطرق والمواصلات تعرضت شبكة الطرق لأضرار هائلة. وتشمل الخسائر: * تدمير مئات الكيلومترات من الطرق. * تدمير الجسور والمعابر الداخلية. * تضرر شبكات النقل والخدمات اللوجستية. وقد أعاق ذلك حركة البضائع والسلع والإغاثة وأعمال الإنقاذ. الفصل الحادي عشر: الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات قبل الحرب كان قطاع الاتصالات أحد القطاعات القليلة التي أظهرت نموًا نسبيًا. لكن الحرب أدت إلى: * تدمير أبراج اتصالات. * تدمير شبكات الألياف الضوئية. * انقطاع خدمات الإنترنت والهاتف بشكل متكرر. كما تضررت شركات البرمجيات والخدمات الرقمية التي كانت توفر فرص عمل للشباب. الفصل الثاني عشر: البنوك والخدمات المالية تعرض النظام المالي الفلسطيني في غزة لخسائر غير مسبوقة. بحسب تقديرات البنك الدولي: * دُمر نحو 93% من فروع البنوك. * تضررت 88% من شركات الصرافة. * تضررت 88% من شركات التأمين. * بقي عدد محدود جدًا من أجهزة الصراف الآلي عاملة. وأدى ذلك إلى: * صعوبة الوصول إلى الأموال. * تعطل العمليات التجارية. * تراجع النشاط المصرفي. الفصل الثالث عشر: سوق العمل كان عدد العاملين في غزة قبل الحرب يقارب 500 ألف عامل بشكل مباشر وغير مباشر. لكن الحرب أدت إلى: * فقدان مئات آلاف الوظائف. * انهيار قطاعات كاملة من التشغيل. * ارتفاع البطالة إلى نحو 80%. كما فقدت غالبية الأسر مصادر دخلها الأساسية. # الفصل الرابع عشر: البلديات والخدمات العامة تعرضت البلديات لخسائر واسعة شملت: * الآليات والمعدات الثقيلة. * المباني الإدارية. * شبكات الطرق. * خدمات النظافة. كما تراجعت قدرة الهيئات المحلية على تقديم الخدمات الأساسية. الفصل الخامس عشر: الركام... الوجه الآخر للخسائر إحدى أكثر الصور تعبيرًا عن حجم الكارثة هي جبال الركام المنتشرة في مختلف أنحاء القطاع. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود ما بين 41 و47 مليون طن من الأنقاض. ويمثل هذا الركام: * منازل مدمرة. * مصانع مدمرة. * مدارس ومستشفيات. * شبكات بنية تحتية كاملة. وتتطلب إزالة الركام وحدها سنوات من العمل ومليارات الدولارات. --- # الفصل السادس عشر: تكلفة إعادة الإعمار بحسب التقييم المشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي: * 53.2 مليار دولار احتياجات إعادة الإعمار والتعافي خلال عشر سنوات. * 20 مليار دولار مطلوبة خلال السنوات الثلاث الأولى. * يشكل الإسكان والبنية التحتية الجزء الأكبر من هذه التكلفة. ومع استمرار الدمار خلال عامي 2025 و2026، ترجح تقديرات دولية أن ترتفع فاتورة إعادة الإعمار إلى مستويات أعلى بكثير. كيف مُحي اقتصاد غزة؟ لم تشهد غزة منذ بداية الاحتلال عام 1967 خسارة اقتصادية بحجم ما تعرضت له منذ 7 أكتوبر 2023. فخلال أقل من عامين، انهارت قطاعات الإسكان والزراعة والصناعة والتجارة والخدمات والبنية التحتية، وتراجع الناتج المحلي بنسبة 83%، وارتفعت البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وتحولت مساحات واسعة من المدن والمخيمات إلى أنقاض. ولا تعكس الأرقام وحدها حجم الكارثة؛ فخلف كل منزل مدمر أسرة فقدت مدخراتها، وخلف كل مصنع متوقف عمال فقدوا مصدر رزقهم، وخلف كل مدرسة أو جامعة مدمرة جيل كامل تعطلت فرصه التعليمية. إن الخسائر الاقتصادية في غزة ليست مجرد أرقام بمليارات الدولارات، بل هي قصة مجتمع كامل تعرضت أسس حياته الاقتصادية والاجتماعية للتدمير، في واحدة من أكبر الكوارث الاقتصادية والإنسانية التي شهدها القرن الحادي والعشرون..