قطاع الأعمال الفلسطيني تحت الضغط.. غزة 2023 وإعادة تشكيل بيئة رأس المال بين الانهيار وإعادة التموضع (2000 – 2026)
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يعد الاقتصاد الفلسطيني، في قطاع غزة أو في امتداداته بالضفة الغربية والقدس، يعمل ضمن مسار طبيعي يمكن قياسه بمؤشرات النمو أو الانكماش التقليدية. ما حدث بعد هذا التاريخ لم يكن مجرد صدمة اقتصادية مرتبطة بالحرب، بل تحول بنيوي في طبيعة البيئة التي يتحرك فيها رأس المال الفلسطيني، سواء على مستوى الشركات أو المستثمرين أو المشاريع الكبرى. غزة، التي كانت قبل الحرب تمثل اقتصاداً محدوداً لكنه متماسك نسبياً في قطاعاته الأساسية، دخلت في حالة انهيار إنتاجي شامل. ومع توقف الدورة الاقتصادية الداخلية، لم تتعطل فقط المصانع والأسواق، بل تعطلت معها الروابط غير المرئية التي تربط الاقتصاد الفلسطيني ببعضه البعض، من سلاسل توريد، وتحويلات مالية، وحركة تجارة، وعلاقات تشغيل بين غزة والضفة والخارج. قبل 2023، كان القطاع الخاص الفلسطيني يتحرك داخل بيئة مقيدة لكنها قابلة للإدارة: قيود على الحركة، محدودية في المعابر، صعوبات في التصدير، وتفاوت في الوصول إلى الأسواق. إلا أن هذه البيئة، رغم صعوبتها، كانت تسمح بوجود نماذج استثمارية طويلة الأمد في العقار والخدمات والبنية التحتية، ومحاولات لبناء اقتصاد محلي قائم على مبادرات خاصة في ظل غياب دولة اقتصادية مكتملة. لكن الحرب على غزة أعادت تعريف هذه المعادلة بالكامل. فمع توقف النشاط الاقتصادي في القطاع، لم يخسر الاقتصاد الفلسطيني سوقاً جغرافية فقط، بل خسر جزءاً وظيفياً من بنيته الداخلية، خصوصاً في ما يتعلق بالاستهلاك، والإنتاج، والدورة النقدية التي كانت تغذي قطاعات في الضفة الغربية أيضاً. هذا الانقطاع انعكس بشكل مباشر على بيئة الاستثمار في الضفة الغربية والقدس، حيث بدأت الشركات تواجه ليس فقط تراجعاً في الطلب، بل أيضاً ارتفاعاً في المخاطر التشغيلية، وتقلصاً في القدرة على التخطيط طويل الأمد. ومع الوقت، أصبحت القرارات الاستثمارية أكثر ارتباطاً بعوامل سياسية وأمنية ومالية خارج نطاق السوق نفسه. ضمن هذا السياق، برزت مشاريع استثمارية كبرى قادها رجال أعمال فلسطينيون حاولوا خلال العقدين الأخيرين الدفع باتجاه نماذج تنموية مختلفة، من بينهم بشار المصري، الذي ارتبط اسمه بمشاريع تطوير حضري واسعة، أبرزها مدينة روابي، إلى جانب استثمارات في قطاعات متعددة داخل الضفة الغربية، ومحاولات سابقة لخلق نماذج اقتصادية مرتبطة بقطاع غزة. هذه المشاريع، رغم طابعها الاقتصادي، كانت تعمل دائماً داخل بيئة غير مستقرة، حيث لا يمكن فصل الاستثمار عن الجغرافيا السياسية، ولا فصل النمو الاقتصادي عن القيود المفروضة على الحركة والبنية التحتية والوصول إلى الموارد. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المشاريع جزءاً من محاولة أوسع لإنتاج نموذج اقتصادي فلسطيني قائم على المبادرة الخاصة في ظل نظام اقتصادي غير مكتمل السيادة. بعد 2023، ومع الانهيار الواسع في غزة، دخلت هذه المعادلة مرحلة أكثر تعقيداً. فغياب غزة عن الدورة الاقتصادية الفعلية لم يؤد فقط إلى خسارة سوق استهلاكية وإنتاجية، بل أدى إلى إعادة تشكيل المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الفلسطيني ككل، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بالتمويل، والتوسع، والاستقرار القانوني للمشاريع. في هذا الإطار، ظهرت تطورات قانونية في البيئة الدولية مرتبطة بالحرب على غزة، من بينها دعوى مدنية رُفعت أمام محكمة فدرالية في الولايات المتحدة في عامي 2025 و2026، تقدم بها مئات المدعين من عائلات ضحايا أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استناداً إلى تشريعات أمريكية تتعلق بمكافحة الإرهاب. الدعوى شملت أطرافاً وشبكات اقتصادية يُزعم ارتباطها ببيئات تشغيلية في قطاع غزة، ومن بينها اسم رجل الأعمال بشار المصري، في سياق ادعاءات تتعلق بدور بعض البنى التحتية أو المشاريع الاقتصادية في البيئة العامة التي جرت فيها الأحداث. وفي المقابل، ينفي المصري والشركات المرتبطة به هذه الادعاءات، مؤكداً أن جميع الاستثمارات ذات طبيعة تنموية بحتة، وتهدف إلى خلق فرص عمل وتعزيز الاقتصاد المحلي، دون أي صلة بأي نشاط عسكري أو أمني. وقد دفع فريق الدفاع في هذا الملف باتجاه رفض الدعوى، باعتبارها قائمة على استنتاجات غير مباشرة، وأن تحميل المشاريع التنموية في بيئة نزاع مسلح مسؤوليات مرتبطة بأحداث سياسية أو عسكرية يمثل توسعاً غير مسبوق في مفهوم المسؤولية القانونية. ما يميز هذا النوع من القضايا ليس فقط مضمونها القانوني، بل السياق الذي تظهر فيه، حيث باتت البيئة الاقتصادية الفلسطينية جزءاً من مجال قانوني دولي أكثر تشدداً، تتداخل فيه اعتبارات الامتثال المالي، والمخاطر الجيوسياسية، وتفسير العلاقة بين الاستثمار والبيئة السياسية. وبالتوازي مع ذلك، يتعامل القطاع الخاص الفلسطيني مع شبكة أوسع من القيود البنيوية، تشمل محدودية الوصول إلى الأسواق، وتعطل سلاسل التوريد، والاعتماد الكبير على بيئة سياسية غير مستقرة، ما يجعل أي توسع اقتصادي مشروطاً بعوامل خارجية لا تخضع لاعتبارات السوق فقط. ومع استمرار الحرب على غزة منذ 2023، لم يعد الحديث يدور حول أزمة اقتصادية محلية، بل حول إعادة تشكيل كاملة لوظيفة الاقتصاد الفلسطيني، حيث تراجعت القدرة الإنتاجية، وتقلصت الأسواق، وتعمقت الفجوة بين الإمكانيات الاقتصادية والواقع الفعلي. في المحصلة، يبدو القطاع الخاص الفلسطيني اليوم أمام مرحلة مختلفة تماماً عن العقدين الماضيين. لم يعد التحدي في النمو داخل قيود، بل في إعادة تعريف معنى الاقتصاد نفسه داخل بيئة تتغير فيها قواعد التشغيل والاستثمار بشكل جذري، وتصبح فيها المخاطر السياسية والقانونية جزءاً أساسياً من كل قرار اقتصادي..