الصناعة

تغطية صحفية وتقارير مفصلة عن تطورات الأحداث

2026-06-15

قطاع الصناعة في غزة.. كيف تحولت المصانع من محركات للاقتصاد إلى شواهد على الانهيار (2023 – 2026)

غزة الذاكرة الحية: في صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان القطاع الصناعي في غزة يعمل تحت ظروف صعبة فرضها حصار ممتد منذ سنوات، لكنه رغم ذلك حافظ على حد أدنى من النشاط والإنتاج. مئات المصانع وآلاف الورش كانت تنتج الغذاء والأثاث والملابس والبلاستيك والمنتجات المعدنية ومواد البناء، وتشكل أحد أهم مصادر الدخل والتشغيل في القطاع. قبل الحرب، كان قطاع غزة يضم ما يزيد على 4 آلاف منشأة صناعية متفاوتة الحجم، إضافة إلى آلاف الورش الصغيرة والحرفية. وكانت الصناعة تساهم بما يقارب 10 إلى 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للقطاع، بينما وفرت بشكل مباشر وغير مباشر عشرات آلاف فرص العمل. وبرغم القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير، نجحت بعض المصانع في الوصول إلى أسواق الضفة الغربية والخارج، فيما كانت الصناعات الغذائية والإنشائية والنسيجية تشكل ركائز أساسية للاقتصاد المحلي. لكن الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 لم تستهدف فقط البنية السكنية والخدماتية، بل أصابت قلب الاقتصاد الإنتاجي. وخلال الأيام الأولى، بدأت المصانع تتوقف الواحدة تلو الأخرى. لم يكن السبب القصف المباشر وحده، بل أيضاً انقطاع الكهرباء بالكامل تقريباً، ونفاد الوقود، وتعطل شبكات النقل، وإغلاق المعابر، وانقطاع المواد الخام التي تعتمد عليها خطوط الإنتاج. في الأسابيع الأولى، وجدت مئات المصانع نفسها عاجزة عن الاستمرار. خطوط الإنتاج توقفت، المولدات تعطلت بسبب نقص الوقود، والمخازن امتلأت ببضائع لا يمكن تسويقها أو نقلها. وفي الوقت نفسه، بدأت خسائر القطاع الخاص تتراكم بسرعة كبيرة. وتشير تقديرات أولية إلى أن الخسائر التي تكبدها القطاع الخاص خلال الشهرين الأولين فقط تجاوزت 1.5 مليار دولار، كان نصيب الصناعة منها كبيراً بسبب ارتفاع قيمة الأصول الصناعية من آلات ومعدات ومخازن ومنشآت. ومع انتقال الحرب إلى مراحل أكثر اتساعاً خلال عام 2024، دخل القطاع الصناعي مرحلة جديدة من الانهيار. لم يعد الحديث عن توقف الإنتاج فحسب، بل عن تدمير فعلي للبنية الصناعية. عشرات المصانع تعرضت للقصف المباشر أو لأضرار جسيمة، فيما تحولت مناطق صناعية كاملة إلى مناطق منكوبة. الصور الجوية التي وثقت الدمار أظهرت اختفاء مبانٍ صناعية كانت تمثل مراكز إنتاج رئيسية في غزة وخان يونس ورفح. وبحسب تقييمات دولية مشتركة صادرة عن الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، فإن قطاعي التجارة والصناعة كانا من أكثر القطاعات الاقتصادية تعرضاً للأضرار المباشرة بعد قطاع الإسكان. وقدرت قيمة الأضرار المادية في مختلف القطاعات بنحو 30 مليار دولار حتى مطلع عام 2025، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن توقف الإنتاج والنشاط الاقتصادي نحو 19 مليار دولار إضافية. داخل المصانع نفسها، كانت الخسائر أكثر تعقيداً من مجرد تدمير المباني. خطوط إنتاج كاملة توقفت أو دُمرت. آلات استوردت على مدار سنوات خرجت من الخدمة. مخازن للمواد الخام والمنتجات الجاهزة تعرضت للحرق أو الدمار. كما فقدت آلاف الشركات الصناعية قواعد بياناتها وأصولها التشغيلية ومركباتها وشبكات توزيعها. في قطاع الصناعات الغذائية، الذي يعد من أهم القطاعات الإنتاجية في غزة، تعرضت عشرات المصانع للتدمير أو التوقف. مصانع الألبان والعصائر والمعلبات والمخبوزات واجهت صعوبات هائلة في الحصول على المواد الخام والطاقة. وأدى ذلك إلى تراجع حاد في الإنتاج الغذائي المحلي، ما زاد من اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية. أما قطاع صناعة الأثاث والأخشاب، الذي كان يعد من القطاعات المعروفة في غزة، فقد تعرض لضربة قاسية نتيجة تدمير الورش والمصانع وصعوبة إدخال المواد الخام. كذلك الحال بالنسبة لصناعة الملابس والنسيج التي كانت تشغل آلاف العمال قبل الحرب، إذ توقفت غالبية المصانع عن العمل بشكل كامل. ولم تكن الصناعات البلاستيكية والكيماوية أفضل حالاً. فهذه الصناعات تعتمد بصورة كبيرة على المواد الخام المستوردة، ومع توقف دخولها أصبحت خطوط الإنتاج معطلة حتى في المنشآت التي لم تتعرض للقصف المباشر. كما تضررت مصانع مواد البناء والخرسانة والرخام بشكل كبير، سواء نتيجة التدمير أو نتيجة غياب المواد اللازمة للتشغيل. ومع حلول نهاية عام 2024، بدأت المؤسسات الدولية تتحدث عن انهيار اقتصادي هو الأشد في التاريخ الحديث للقطاع. فقد انكمش اقتصاد غزة بنسبة تجاوزت 80 بالمئة، وهي من أعلى نسب الانكماش المسجلة عالمياً خلال العقود الأخيرة. كما أشارت تقديرات اقتصادية إلى أن الإنتاج الصناعي تراجع بأكثر من 90 بالمئة مقارنة بمستوياته قبل الحرب، ما يعني أن معظم الطاقة الإنتاجية للقطاع خرجت فعلياً من الخدمة. على مستوى العمالة، انعكست الأزمة الصناعية بصورة مباشرة على سوق العمل. عشرات آلاف العمال فقدوا وظائفهم مع توقف المصانع والورش. وأصبحت البطالة ظاهرة عامة تمس معظم الأسر تقريباً. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدلات البطالة في غزة تجاوزت 75 بالمئة، فيما اختفت فرص العمل المرتبطة بالقطاع الصناعي بشكل شبه كامل. ومع استمرار الحرب خلال عامي 2025 و2026، لم يعد التحدي مقتصراً على إعادة تشغيل المصانع المتضررة، بل أصبح يتعلق بإعادة بناء قاعدة إنتاجية كاملة. فالكثير من المنشآت لم تعد موجودة أصلاً، فيما تحتاج منشآت أخرى إلى إعادة تأهيل شاملة تشمل المباني والآلات وشبكات الكهرباء والمياه والطرق. وتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن أكثر من 90 بالمئة من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الضرر بدرجات متفاوتة. وتشمل هذه النسبة آلاف المنشآت الصناعية التي كانت تشكل العمود الفقري للإنتاج المحلي. كما تشير التقديرات إلى أن إعادة إعمار القطاع الاقتصادي والإنتاجي ستتطلب عشرات المليارات من الدولارات وسنوات طويلة من العمل، حتى في حال توقف الحرب بشكل كامل. اليوم، وبعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لم تعد خسائر الصناعة في غزة تُقاس بعدد المصانع المدمرة أو قيمة الآلات التي خرجت من الخدمة فقط، بل بحجم القدرة الإنتاجية التي فُقدت. فقد خسرت غزة جزءاً كبيراً من قدرتها على تصنيع الغذاء والدواء والملابس ومواد البناء والمنتجات الأساسية. وخسرت معها آلاف الخبرات المهنية والحرفية التي تراكمت على مدى عقود. لقد تحولت المصانع التي كانت يوماً ما رموزاً للصمود الاقتصادي إلى مبانٍ صامتة أو أكوام من الركام. وبينما تستمر الحرب، يبقى القطاع الصناعي واحداً من أكثر القطاعات تضرراً، وشاهداً على حجم التحول الاقتصادي العميق الذي أصاب غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وهو تحول لن يكون من السهل أو السريع تجاوزه حتى بعد انتهاء الحرب..