2026-06-15
المسجد الأقصى بعد 7 أكتوبر 2023: الإغلاقات والاقتحامات وقيود رمضان ومحاولات فرض واقع جديد في أخطر مرحلة يشهدها الحرم القدسي منذ عقود
| غزة الذاكرة الحية-9/6/2026:
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل المسجد الأقصى المبارك مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، تزامنت مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتصعيد العسكري في الضفة الغربية. وعلى مدار أكثر من عامين، تحولت إجراءات الاحتلال في المسجد الأقصى من تدابير أمنية مؤقتة إلى سياسة متواصلة شملت الإغلاقات المتكررة، والتضييق على المصلين، والاقتحامات الواسعة للمستوطنين، وتصاعد حضور الوزراء والمسؤولين الإسرائيليين داخل ساحات المسجد، وفي مقدمتهم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير.
ويرى مختصون في شؤون القدس أن الفترة الممتدة منذ أكتوبر 2023 تمثل واحدة من أخطر المراحل التي مر بها المسجد الأقصى منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، ليس فقط بسبب ارتفاع أعداد المقتحمين، بل بسبب محاولات تكريس ممارسات دينية يهودية داخل الحرم القدسي، وتوسيع نطاق القيود المفروضة على المسلمين، خصوصاً خلال شهر رمضان المبارك.
الأقصى.. المكانة الدينية والرمزية
يمثل المسجد الأقصى أحد أهم المقدسات الإسلامية في العالم، فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ويشمل الحرم القدسي الشريف كامل المساحة البالغة نحو 144 دونماً داخل البلدة القديمة في القدس المحتلة، بما فيها المسجد القبلي وقبة الصخرة والساحات والمصليات والأروقة التاريخية.
وتنظر الأوقاف الإسلامية والأردن، صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، إلى المسجد الأقصى باعتباره مكان عبادة إسلامياً خالصاً بكامل مساحته، بينما ترفض محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم فيه.
الأيام الأولى للحرب: إغلاق شبه كامل للأقصى
مع الساعات الأولى للحرب في 7 أكتوبر 2023، فرضت السلطات الإسرائيلية إجراءات غير مسبوقة في القدس القديمة.
أغلقت أبواب المسجد الأقصى أمام أعداد كبيرة من المصلين، وشددت الانتشار العسكري على مداخل البلدة القديمة، ومنعت معظم سكان الضفة الغربية من الوصول إلى القدس، فيما تعرض المقدسيون أنفسهم لسلسلة من القيود الأمنية المشددة.
وتصف مؤسسات مقدسية تلك المرحلة بأنها شهدت واحداً من أكثر الإغلاقات تشدداً منذ سنوات طويلة، حيث انخفضت أعداد المصلين بصورة حادة مقارنة بالفترات السابقة للحرب.
الاقتحامات تتسارع تحت غطاء الحرب
بينما كانت الأنظار الدولية متجهة نحو غزة، شهد المسجد الأقصى تصاعداً غير مسبوق في أعداد المقتحمين من المستوطنين.
وبحسب إحصائيات منشورة عام 2025، تجاوز عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد الأقصى منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى أغسطس 2025 حاجز 124 ألف مقتحم. وتشير البيانات إلى أن عام 2024 وحده سجل نحو 58 ألف مقتحم، وهو أعلى رقم سنوي يتم تسجيله منذ بدء توثيق الاقتحامات بشكل منهجي.
كما سجلت الأشهر الأولى من عام 2025 عشرات آلاف المقتحمين الإضافيين، ما جعل فترة ما بعد الحرب الأعلى من حيث أعداد الاقتحامات في تاريخ المسجد الحديث.
من الاقتحام إلى أداء الطقوس
لا تقتصر الاقتحامات على الجولات داخل الساحات، بل شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في أداء الطقوس التلمودية داخل المسجد الأقصى.
ووثقت مؤسسات مقدسية مراراً أداء صلوات جماعية وطقوس دينية يهودية داخل الساحات، إضافة إلى ما يعرف بـ"السجود الملحمي"، ورفع الأعلام الإسرائيلية، والإنشاد الجماعي خلال الاقتحامات، وهي ممارسات تعتبرها الأوقاف الإسلامية خرقاً للوضع التاريخي القائم.
ويرى باحثون أن التحول الأخطر لا يكمن في زيادة أعداد المقتحمين فقط، بل في انتقال الاقتحامات من مجرد زيارات تحت الحماية الأمنية إلى محاولات فرض حضور ديني يهودي دائم داخل الحرم القدسي.
إيتمار بن غفير.. الوجه الأبرز لاقتحامات الأقصى
منذ توليه منصب وزير الأمن القومي الإسرائيلي، أصبح إيتمار بن غفير الشخصية السياسية الأكثر ارتباطاً باقتحامات المسجد الأقصى.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة، نفذ بن غفير 13 اقتحاماً للمسجد الأقصى حتى أبريل 2026، فيما بلغ مجموع اقتحاماته 16 اقتحاماً منذ توليه منصبه نهاية عام 2022.
وخلال عدد من هذه الاقتحامات، ظهر بن غفير وهو يؤدي صلوات تلمودية داخل المسجد أو يشارك في فعاليات دينية للمقتحمين، ما أثار موجات واسعة من الإدانات الفلسطينية والعربية والإسلامية.
وتعتبر الأوساط الفلسطينية أن اقتحامات بن غفير تحمل بعداً سياسياً يتجاوز الجانب الديني، إذ ينظر إليها باعتبارها رسائل تتعلق بمحاولات فرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية" على المسجد الأقصى.
الأعياد اليهودية ومواسم الاقتحامات الكبرى
شهدت المناسبات الدينية اليهودية منذ أكتوبر 2023 ارتفاعاً حاداً في أعداد المقتحمين.
وخلال ما يسمى "عيد الفصح" و"عيد العرش" و"ذكرى خراب الهيكل"، سجلت ساحات المسجد الأقصى أكبر التجمعات الاستيطانية داخل الحرم منذ سنوات.
وفي بعض المناسبات شارك وزراء وأعضاء كنيست وحاخامات متطرفون في الاقتحامات، بالتزامن مع أداء صلوات جماعية ورقصات وهتافات دينية داخل الساحات.
ويعتبر المقدسيون أن هذه المناسبات أصبحت تشكل نقاط توتر سنوية تهدد بإشعال مواجهات واسعة في المدينة.
رمضان تحت القيود
يحمل شهر رمضان مكانة استثنائية لدى المسلمين في القدس وفلسطين والعالم الإسلامي.
فعلى مدار عقود، كان المسجد الأقصى يشهد حضور مئات الآلاف من المصلين خلال الجمع والعشر الأواخر وليلة القدر.
إلا أن رمضان خلال سنوات الحرب جاء مختلفاً.
ففي رمضان 2024 ثم رمضان 2025 فرضت السلطات الإسرائيلية قيوداً واسعة على دخول المصلين القادمين من الضفة الغربية، وربطت الوصول إلى المسجد بشروط عمرية وتصاريح أمنية خاصة. وفي رمضان 2025 سمح للرجال فوق 55 عاماً والنساء فوق 50 عاماً فقط بالدخول من الضفة الغربية وفق شروط محددة، بينما خضع الداخلون لإجراءات تفتيش مكثفة.
كما انتشرت الحواجز العسكرية في محيط القدس وأبواب البلدة القديمة، ما صعّب وصول عشرات آلاف الفلسطينيين إلى المسجد.
الاعتكاف وليلة القدر
يُعد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان من أبرز الشعائر المرتبطة بالمسجد الأقصى.
لكن مؤسسات مقدسية وثقت خلال سنوات الحرب قيوداً متكررة على الاعتكاف، وإجراءات أمنية مشددة داخل المسجد، إضافة إلى اعتقالات وإبعادات طالت شباناً ومرابطين وحراساً وموظفين في الأوقاف الإسلامية.
ورغم ذلك، استمرت الحشود الفلسطينية بالتوافد إلى المسجد خلال ليالي رمضان، خصوصاً في ليلة السابع والعشرين وليلة القدر، باعتبار الأقصى رمزاً دينياً ووطنياً يتجاوز حدود فلسطين.
سياسة الإبعاد والاعتقال
إلى جانب الاقتحامات، تصاعدت سياسة إبعاد الشخصيات المقدسية عن المسجد الأقصى.
فقد صدرت عشرات أوامر الإبعاد بحق حراس المسجد وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية ونشطاء مقدسيين ومرابطين، في سياسة يقول حقوقيون إنها تهدف إلى إفراغ المسجد من الشخصيات الفاعلة القادرة على توثيق الانتهاكات أو التصدي لها.
كما شهدت أبواب المسجد والبلدة القديمة عمليات توقيف واعتقال متكررة لمصلين خلال محاولتهم الوصول إلى المسجد أو أثناء وجودهم داخله.
الأردن: الأقصى للمسلمين وحدهم
أدان الأردن بصورة متكررة اقتحامات المستوطنين والمسؤولين الإسرائيليين للمسجد الأقصى.
وأكدت وزارة الخارجية الأردنية مراراً أن المسجد الأقصى المبارك بكامل مساحته البالغة 144 دونماً هو مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن أي محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم فيه تمثل انتهاكاً للقانون الدولي.
كما قدم الأردن احتجاجات رسمية متكررة على اقتحامات بن غفير والوزراء الإسرائيليين للمسجد.
الإدانات الفلسطينية والعربية والإسلامية
قوبلت اقتحامات الأقصى بإدانات متواصلة من السلطة الفلسطينية والأوقاف الإسلامية والفصائل الفلسطينية.
كما أصدرت جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عشرات البيانات التي اعتبرت أن استمرار الاقتحامات يشكل استفزازاً لمشاعر المسلمين وانتهاكاً للقانون الدولي وللوضع التاريخي القائم في القدس.
وحذرت هذه الجهات من أن المساس بالأقصى يحمل مخاطر دينية وسياسية تتجاوز حدود فلسطين.
الأمم المتحدة والمجتمع الدولي
أعربت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الحكومات الغربية عن قلقها من تصاعد التوتر في المسجد الأقصى.
وحذرت جهات أممية من أن أي تغيير في الوضع القائم داخل الحرم القدسي الشريف قد يؤدي إلى تفجير الأوضاع في القدس والأراضي الفلسطينية والمنطقة بأسرها.
لكن الفلسطينيين ومؤسسات القدس يعتبرون أن الإدانات الدولية لم تنجح حتى الآن في وقف الاقتحامات أو الحد من القيود المفروضة على المصلين.
أخطر تحول منذ سنوات
يرى باحثون مختصون في شؤون القدس أن أخطر ما حدث بعد 7 أكتوبر لا يتمثل فقط في ارتفاع أعداد المقتحمين أو تشديد القيود الأمنية، بل في تزامن عدة مسارات في وقت واحد:
* ارتفاع قياسي في أعداد المقتحمين.
* تصاعد الطقوس التلمودية داخل الساحات.
* تكرار اقتحامات الوزراء الإسرائيليين.
* تشديد القيود على المصلين المسلمين.
* توسيع الإبعادات والاعتقالات.
* محاولات تكريس واقع ديني جديد داخل الحرم.
ويعتبر هؤلاء أن هذه العناصر مجتمعة تشكل تحولاً نوعياً مقارنة بالسنوات السابقة.
منذ السابع من أكتوبر 2023، تحول المسجد الأقصى إلى أحد أبرز ميادين الصراع في القدس المحتلة. وبين الإغلاقات المتكررة، والقيود المفروضة على المصلين، والاقتحامات القياسية التي تجاوزت 124 ألف مقتحم، واقتحامات إيتمار بن غفير المتكررة، دخل الأقصى مرحلة يصفها المقدسيون بأنها الأخطر منذ عقود.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المسلمون النظر إلى المسجد الأقصى باعتباره رمزاً دينياً وعقائدياً ووطنياً لا يقبل القسمة أو التغيير، تتصاعد المخاوف من أن تؤدي السياسات الإسرائيلية المتواصلة إلى فرض وقائع جديدة داخل الحرم القدسي، بما يحمله ذلك من تداعيات دينية وسياسية تتجاوز حدود القدس وفلسطين إلى العالم الإسلامي بأسره..