الشيخ جراح وسلوان

تغطية صحفية وتقارير مفصلة عن تطورات الأحداث

2026-06-09

الشيخ جراح وسلوان بعد 7 أكتوبر 2023: كيف تسارعت عمليات التهجير والهدم والاستيطان في قلب القدس تحت غطاء الحرب؟

| غزة الذاكرة الحية-9/6/2026 في الوقت الذي انشغل فيه العالم بالحرب على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت معركة أخرى تتصاعد بصمت في القدس المحتلة، بعيداً عن التغطية الإعلامية اليومية. ففي حيّي الشيخ جراح وسلوان، اللذين يمثلان خط المواجهة الأكثر حساسية في الصراع على القدس، شهد الفلسطينيون تصاعداً في أوامر الإخلاء والهدم والاعتقالات والاستيلاء على المنازل، في سياق يصفه المقدسيون بأنه أخطر موجة تهجير تشهدها المدينة منذ سنوات. لا يتعلق الأمر هنا بمنازعات عقارية معزولة أو إجراءات بلدية منفصلة، بل بمعركة تدور حول مستقبل القدس نفسها. فبينما تسعى الجمعيات الاستيطانية إلى توسيع وجودها داخل الأحياء الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة والمسجد الأقصى، تجد مئات العائلات الفلسطينية نفسها أمام خطر فقدان منازلها التي سكنتها لعقود طويلة. القدس الشرقية.. قلب المشروع الاستيطاني منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967 وضمها لاحقاً في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي، أصبحت المدينة محوراً رئيسياً للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي. وتعتبر الأحياء الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة، وعلى رأسها الشيخ جراح وسلوان، هدفاً استراتيجياً للجمعيات الاستيطانية بسبب موقعها الجغرافي والديني والسياسي. ففي الشيخ جراح يقع الحي على المدخل الشمالي للبلدة القديمة، بينما تمتد سلوان مباشرة إلى الجنوب من المسجد الأقصى، ما يجعل السيطرة عليهما جزءاً من أي محاولة لإعادة تشكيل المشهد الديموغرافي والجغرافي للقدس. بعد 7 أكتوبر.. تراجع الرقابة الدولية وتصاعد الضغوط يرى باحثون ومؤسسات مقدسية أن الحرب على غزة وفرت بيئة مثالية لتسريع الإجراءات الاستيطانية في القدس. ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار العالمية مركزة على غزة، تراجعت مستويات الضغط الدولي والمتابعة الإعلامية لملفات الإخلاء والهدم في القدس، الأمر الذي سمح بتسارع خطوات كانت تواجه سابقاً تدقيقاً سياسياً وحقوقياً واسعاً. ويقول سكان من سلوان في شهادات نقلتها الأمم المتحدة إن الأوضاع بعد 7 أكتوبر أصبحت أكثر صعوبة، وإن الخوف من الاعتراض أو الاحتجاج ازداد بشكل ملحوظ. الشيخ جراح.. المعركة التي لم تنتهِ تحول الشيخ جراح منذ عام 2021 إلى رمز عالمي لمقاومة التهجير القسري، عندما أثارت محاولات إخلاء عائلات فلسطينية موجة احتجاجات دولية واسعة. لكن على الرغم من تراجع الاهتمام الإعلامي العالمي بعد اندلاع الحرب، لم تتوقف الإجراءات القانونية الهادفة إلى إخراج العائلات الفلسطينية من منازلها. وخلال عام 2025 استمرت المحاكم الإسرائيلية في النظر بقضايا إخلاء جديدة مرتبطة بجمعية "نحلات شمعون" الاستيطانية. ومن أبرز هذه القضايا قضية عائلة صالح ذياب التي واجهت خطر الإخلاء بعد رفض استئنافها أمام المحاكم الإسرائيلية، في واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل الحي. ويؤكد حقوقيون أن ما يجري في الشيخ جراح لا يتعلق بعائلة أو منزل واحد، بل يمثل جزءاً من سياسة أوسع تستهدف تعزيز الوجود الاستيطاني داخل الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية. سلوان.. أخطر بؤرة تهجير في القدس إذا كان الشيخ جراح رمزاً للصراع، فإن سلوان أصبحت مركزه الفعلي. تقع سلوان مباشرة بمحاذاة المسجد الأقصى، ويعيش فيها عشرات آلاف الفلسطينيين. وتعد اليوم من أكثر المناطق استهدافاً بالمشاريع الاستيطانية الإسرائيلية. داخل سلوان تبرز ثلاث مناطق رئيسية تشكل محور الصراع: بطن الهوى. حي البستان. وادي حلوة. وتعمل جمعيات استيطانية، أبرزها "عطيرت كوهنيم" و"إلعاد"، على السيطرة التدريجية على العقارات الفلسطينية داخل هذه الأحياء. بطن الهوى.. أكبر ملف إخلاء جماعي يمثل حي بطن الهوى أحد أكبر ملفات التهجير القسري في القدس المحتلة. وبحسب بيانات الأمم المتحدة، تواجه نحو 87 عائلة فلسطينية تضم ما بين 600 و680 شخصاً دعاوى إخلاء رفعتها جمعيات استيطانية تدعي ملكية الأرض. ومنذ 7 أكتوبر 2023 شهد الحي تسارعاً ملحوظاً في تنفيذ قرارات الإخلاء. وأعلنت الأمم المتحدة في مارس 2026 أن 28 أسرة فلسطينية، تضم نحو 160 فرداً، تم تهجيرها قسرياً من بطن الهوى منذ اندلاع الحرب، مع تسارع ملحوظ في عمليات الإخلاء خلال عامي 2025 و2026. وفي مارس 2026 وحده أُخرجت 16 عائلة فلسطينية من منازلها خلال أيام قليلة، في واحدة من أكبر موجات الإخلاء التي شهدها الحي منذ سنوات. حي البستان.. خطر الهدم الجماعي على بعد أمتار من أسوار المسجد الأقصى، يواجه حي البستان مصيراً لا يقل خطورة. تسعى السلطات الإسرائيلية منذ سنوات إلى إزالة عشرات المنازل الفلسطينية في الحي لصالح مشاريع سياحية واستيطانية مرتبطة بما يسمى "الحديقة التوراتية" أو "مدينة داود". ووفق تقديرات حقوقية حديثة، يواجه نحو 150 منزلاً في البستان خطر الهدم أو التهجير، وهو ما قد يؤثر على نحو 1500 فلسطيني. ويخشى السكان أن تؤدي التطورات الأخيرة إلى تنفيذ مخططات مؤجلة منذ سنوات مستفيدة من انشغال العالم بالحرب. الهدم كسلاح ديموغرافي لم تقتصر الضغوط على الإخلاء القضائي. ففي القدس الشرقية عموماً، وسلوان على وجه الخصوص، استمرت سياسة هدم المنازل الفلسطينية بحجة البناء دون ترخيص. ويؤكد الفلسطينيون ومنظمات حقوق الإنسان أن الحصول على تراخيص بناء إسرائيلية في القدس يكاد يكون مستحيلاً، ما يدفع آلاف العائلات للبناء دون ترخيص ثم مواجهة أوامر الهدم لاحقاً. وتشير تقارير حقوقية أوروبية وأممية إلى أن هذه السياسة تسهم في تقليص الوجود الفلسطيني داخل القدس وتدفع بعض العائلات إلى مغادرة المدينة قسراً. الاعتقالات.. الوجه الآخر للسيطرة ترافق التصعيد الاستيطاني مع تصاعد عمليات الاعتقال والاستدعاء والتحقيق بحق الفلسطينيين في القدس. فخلال فترة الحرب نفذت قوات الاحتلال حملات اعتقال واسعة استهدفت شباناً ونشطاء ومقدسيين شاركوا في الاحتجاج على أوامر الإخلاء أو الهدم. كما وثقت مؤسسات حقوقية حالات اعتقال خلال تنفيذ عمليات الإخلاء في سلوان، إضافة إلى اعتداءات على السكان ومنع الصحفيين من تغطية الأحداث. ويرى حقوقيون أن هذه الإجراءات تهدف إلى تقليص قدرة المجتمع المقدسي على تنظيم المقاومة الشعبية أو توثيق الانتهاكات. الاستيطان داخل الأحياء الفلسطينية على عكس المستوطنات التقليدية المقامة على أطراف القدس، يتميز الاستيطان في الشيخ جراح وسلوان بأنه يتوغل داخل الأحياء الفلسطينية نفسها. فبعد كل عملية إخلاء، تنتقل العقارات غالباً إلى جمعيات استيطانية تقوم بإسكان مستوطنين داخلها تحت حماية الشرطة الإسرائيلية. ومنذ عام 2004 استولت جماعات استيطانية على عشرات المباني في سلوان، فيما استمرت العملية بوتيرة متسارعة بعد حرب غزة. ويرى باحثون أن الهدف النهائي يتمثل في خلق طوق استيطاني متصل حول البلدة القديمة والمسجد الأقصى، بما يغير التوازن الديموغرافي في المدينة على المدى الطويل. الموقف الدولي أثارت التطورات في الشيخ جراح وسلوان انتقادات متكررة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان. ففي يوليو 2024 حذرت الأمم المتحدة من أن أكثر من 80 عائلة فلسطينية في سلوان تواجه خطر التهجير القسري، واعتبرت أن القوانين المستخدمة ضد الفلسطينيين ذات طابع تمييزي ومخالفة للقانون الدولي. كما أكدت الأمم المتحدة أن عمليات الإخلاء القسري في الأراضي المحتلة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. ورغم الإدانات الدولية المتكررة، استمرت إجراءات الإخلاء والهدم والاستيطان دون توقف. القدس بين الصمود والاقتلاع بالنسبة للفلسطينيين، لا تمثل الشيخ جراح وسلوان مجرد أحياء سكنية، بل خط الدفاع الأخير عن الوجود الفلسطيني في القدس. فكل منزل يُهدم، وكل عائلة تُهجّر، وكل عقار يُسلّم للمستوطنين، يُنظر إليه باعتباره جزءاً من معركة أكبر تتعلق بمستقبل المدينة وهويتها. وبينما تواصل العائلات المقدسية معاركها القانونية والشعبية للحفاظ على منازلها، تتزايد المخاوف من أن تؤدي التطورات المتسارعة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى تغيير عميق في الخريطة الديموغرافية للقدس المحتلة. منذ اندلاع الحرب على غزة، شهدت الشيخ جراح وسلوان تصعيداً غير مسبوق في الضغوط التي تستهدف الفلسطينيين. فقد تسارعت عمليات الإخلاء القسري، وتواصلت أوامر الهدم، وازدادت الاعتقالات، فيما واصلت الجمعيات الاستيطانية توسيع نفوذها داخل الأحياء الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة. وفي الوقت الذي تحذر فيه الأمم المتحدة من مخاطر التهجير الجماعي وتغيير الواقع الديموغرافي للمدينة، تبقى سلوان والشيخ جراح عنواناً لمعركة مفتوحة على القدس نفسها، وعلى هوية واحدة من أكثر مدن العالم حساسية دينياً وسياسياً وتاريخياً..