تقارير

تغطية صحفية وتقارير مفصلة عن تطورات الأحداث

2026-06-12

قطاع إعادة إعمار غزة.. بين ركام البنية التحتية وتعقيدات التمويل والحوكمة وتداخل المسارات السياسية (2023 – 2026)

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل قطاع غزة مرحلة تدمير غير مسبوقة في تاريخه الحديث، لم يقتصر أثرها على البنية السكنية أو الخدماتية فقط، بل امتد ليطال الأسس التي يقوم عليها أي اقتصاد قابل للحياة. ومع اتساع رقعة الدمار، لم يعد الحديث عن “إعادة إعمار” بالمعنى التقليدي، بل عن إعادة تأسيس شبه كاملة لمدينة منكوبة على مستوى البنية التحتية والاقتصاد والخدمات والحوكمة في آن واحد. وفق التقييم المشترك الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في 2026، فإن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة تُقدّر بنحو 71.4 مليار دولار خلال السنوات القادمة، منها ما يقارب 26.3 مليار دولار مطلوبة بشكل عاجل في المرحلة الأولى لإعادة تشغيل الحد الأدنى من الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية. وتُظهر هذه الأرقام أن حجم الدمار تجاوز القدرة التقليدية لأي عملية إعادة إعمار سابقة في المنطقة، سواء من حيث الكلفة أو الزمن أو التعقيد المؤسسي. في المشهد الميداني، تبدو غزة بعد الحرب وكأنها فقدت بنيتها الحضرية الأساسية. آلاف المباني السكنية دُمّرت كلياً أو جزئياً، فيما تضررت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي بشكل واسع، إلى درجة باتت فيها أجزاء كبيرة من القطاع خارج الخدمة الفعلية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مئات الآلاف من الوحدات السكنية تعرضت للتدمير أو الضرر، في حين خرجت نسبة كبيرة من المستشفيات والمدارس عن الخدمة، إما نتيجة الدمار المباشر أو بسبب توقف الإمدادات التشغيلية الأساسية. هذا المستوى من الانهيار يعني أن عملية الإعمار لا تبدأ من إعادة البناء فقط، بل من مرحلة “إزالة الدمار” التي تشكل بحد ذاتها تحدياً هندسياً ولوجستياً هائلاً. فالكميات الهائلة من الركام، التي تُقدّر بعشرات ملايين الأطنان، تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل، وإلى بنية تشغيلية غير متوفرة حالياً، تشمل معدات ثقيلة، طرق آمنة للنقل، ومواقع معالجة للنفايات الإنشائية. في موازاة ذلك، يبرز تحدي التمويل بوصفه أحد أكثر العوائق تعقيداً. فحتى مع وجود تقديرات دولية كبيرة للاحتياجات، إلا أن آلية تحويل هذه التقديرات إلى تمويل فعلي تبقى مرتبطة بعوامل سياسية وإدارية واشتراطات دولية. التجارب السابقة في مناطق نزاع مشابهة تشير إلى أن التمويل لا يصل بشكل متكامل أو فوري، بل عبر مراحل مجزأة ترتبط بالاستقرار السياسي، وآليات الرقابة، وضمانات الشفافية، وهو ما يجعل فجوة التمويل في السنوات الأولى من الإعمار فجوة هيكلية وليست مؤقتة. إلى جانب ذلك، تبرز إشكالية الحوكمة كأحد أكثر الملفات حساسية في عملية الإعمار. فإدارة ملف بهذا الحجم تتطلب إطاراً تنفيذياً واضحاً، بينما الواقع يشير إلى تداخل عدة أطراف في المشهد: مؤسسات السلطة الفلسطينية في رام الله، وكالات الأمم المتحدة، الجهات المانحة الدولية، إضافة إلى الواقع الإداري القائم داخل قطاع غزة. هذا التعدد في مراكز القرار لا يخلق فقط تعقيداً إدارياً، بل ينعكس أيضاً على سرعة التنفيذ، وتوزيع المشاريع، وآليات الرقابة المالية والفنية. ومع غياب إطار موحد لإدارة الإعمار في مراحله الأولى، تصبح عملية التنسيق بين هذه الأطراف عاملاً حاسماً، لكنه في الوقت نفسه مصدر تأخير محتمل، خاصة في المشاريع الكبرى التي تتطلب قرارات مركزية واستقراراً مؤسسياً طويل الأمد. أما على مستوى البنية التحتية، فإن التحدي يتجاوز إعادة بناء المباني إلى إعادة تشغيل منظومات كاملة انهارت بشكل شبه كامل. فشبكات الكهرباء، التي كانت تعتمد أساساً على إمدادات خارجية ومولدات محدودة، تعرضت لانقطاع واسع، فيما تضررت محطات المياه والصرف الصحي إلى درجة تجعل إعادة تشغيلها مرتبطة بإعادة بناء البنية التحتية نفسها وليس فقط صيانتها. كما أن شبكة الطرق، التي تمثل شريان الحركة الاقتصادية والإنسانية، تعرضت لأضرار واسعة أثرت على إمكانية التنقل ونقل المواد والمساعدات. في السياق الاقتصادي، لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية نفسها. فالسوق المحلي في غزة فقد قدرته الإنتاجية والاستهلاكية في آن واحد، ما يعني أن إعادة البناء تحتاج بالتوازي إلى إعادة إطلاق القطاعات الإنتاجية الأساسية، مثل الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات. لكن هذا المسار بدوره يعتمد على توفر المواد الخام، واستقرار سلاسل الإمداد، وإمكانية الحركة التجارية، وهي عوامل ما تزال مرتبطة بالوضع السياسي والأمني العام. وتشير التقديرات الدولية إلى أن قطاعي الإسكان والبنية التحتية يشكلان النسبة الأكبر من تكلفة الإعمار، يليهما قطاع الخدمات الأساسية، وهو ما يعكس طبيعة الأولويات في المرحلة الأولى، حيث يتركز الجهد على إعادة تأهيل الحد الأدنى من شروط الحياة اليومية قبل الانتقال إلى مشاريع التنمية طويلة الأمد. في خلفية هذا المشهد، يظهر التحدي الزمني كعامل لا يقل أهمية عن التمويل. فحتى في حال توفر الموارد المالية، فإن عملية إعادة إعمار بهذا الحجم تحتاج إلى سنوات طويلة من التنفيذ المتدرج، تبدأ بإزالة الركام، ثم إعادة تأهيل البنية الأساسية، ثم إعادة بناء الوحدات السكنية، وأخيراً إعادة تشغيل الاقتصاد بشكل تدريجي. وبين هذه المراحل، يبقى العامل الأكثر حساسية هو الاستقرار السياسي والإداري، إذ إن أي خلل في هذا المستوى ينعكس مباشرة على وتيرة الإعمار، ويعيد تأخير المشاريع إلى نقطة البداية. في المحصلة، لا يبدو أن إعادة إعمار غزة بعد 2023 تمثل مشروعاً إنشائياً بالمعنى التقليدي، بل تمثل عملية إعادة بناء شاملة لمنظومة حياة كاملة، تتقاطع فيها الهندسة مع الاقتصاد مع السياسة مع الحوكمة. وهو ما يجعل هذا الملف واحداً من أكثر ملفات إعادة الإعمار تعقيداً في العصر الحديث، ليس فقط بسبب حجم الدمار، بل بسبب طبيعة البيئة التي يتم فيها هذا الإعمار، وتعقيد الأطراف المتداخلة فيه، وطول الأفق الزمني المطلوب لإنجازه..

2026-06-12

قطاع الأعمال الفلسطيني تحت الضغط.. غزة 2023 وإعادة تشكيل بيئة رأس المال بين الانهيار وإعادة التموضع (2000 – 2026)

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يعد الاقتصاد الفلسطيني، في قطاع غزة أو في امتداداته بالضفة الغربية والقدس، يعمل ضمن مسار طبيعي يمكن قياسه بمؤشرات النمو أو الانكماش التقليدية. ما حدث بعد هذا التاريخ لم يكن مجرد صدمة اقتصادية مرتبطة بالحرب، بل تحول بنيوي في طبيعة البيئة التي يتحرك فيها رأس المال الفلسطيني، سواء على مستوى الشركات أو المستثمرين أو المشاريع الكبرى. غزة، التي كانت قبل الحرب تمثل اقتصاداً محدوداً لكنه متماسك نسبياً في قطاعاته الأساسية، دخلت في حالة انهيار إنتاجي شامل. ومع توقف الدورة الاقتصادية الداخلية، لم تتعطل فقط المصانع والأسواق، بل تعطلت معها الروابط غير المرئية التي تربط الاقتصاد الفلسطيني ببعضه البعض، من سلاسل توريد، وتحويلات مالية، وحركة تجارة، وعلاقات تشغيل بين غزة والضفة والخارج. قبل 2023، كان القطاع الخاص الفلسطيني يتحرك داخل بيئة مقيدة لكنها قابلة للإدارة: قيود على الحركة، محدودية في المعابر، صعوبات في التصدير، وتفاوت في الوصول إلى الأسواق. إلا أن هذه البيئة، رغم صعوبتها، كانت تسمح بوجود نماذج استثمارية طويلة الأمد في العقار والخدمات والبنية التحتية، ومحاولات لبناء اقتصاد محلي قائم على مبادرات خاصة في ظل غياب دولة اقتصادية مكتملة. لكن الحرب على غزة أعادت تعريف هذه المعادلة بالكامل. فمع توقف النشاط الاقتصادي في القطاع، لم يخسر الاقتصاد الفلسطيني سوقاً جغرافية فقط، بل خسر جزءاً وظيفياً من بنيته الداخلية، خصوصاً في ما يتعلق بالاستهلاك، والإنتاج، والدورة النقدية التي كانت تغذي قطاعات في الضفة الغربية أيضاً. هذا الانقطاع انعكس بشكل مباشر على بيئة الاستثمار في الضفة الغربية والقدس، حيث بدأت الشركات تواجه ليس فقط تراجعاً في الطلب، بل أيضاً ارتفاعاً في المخاطر التشغيلية، وتقلصاً في القدرة على التخطيط طويل الأمد. ومع الوقت، أصبحت القرارات الاستثمارية أكثر ارتباطاً بعوامل سياسية وأمنية ومالية خارج نطاق السوق نفسه. ضمن هذا السياق، برزت مشاريع استثمارية كبرى قادها رجال أعمال فلسطينيون حاولوا خلال العقدين الأخيرين الدفع باتجاه نماذج تنموية مختلفة، من بينهم بشار المصري، الذي ارتبط اسمه بمشاريع تطوير حضري واسعة، أبرزها مدينة روابي، إلى جانب استثمارات في قطاعات متعددة داخل الضفة الغربية، ومحاولات سابقة لخلق نماذج اقتصادية مرتبطة بقطاع غزة. هذه المشاريع، رغم طابعها الاقتصادي، كانت تعمل دائماً داخل بيئة غير مستقرة، حيث لا يمكن فصل الاستثمار عن الجغرافيا السياسية، ولا فصل النمو الاقتصادي عن القيود المفروضة على الحركة والبنية التحتية والوصول إلى الموارد. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المشاريع جزءاً من محاولة أوسع لإنتاج نموذج اقتصادي فلسطيني قائم على المبادرة الخاصة في ظل نظام اقتصادي غير مكتمل السيادة. بعد 2023، ومع الانهيار الواسع في غزة، دخلت هذه المعادلة مرحلة أكثر تعقيداً. فغياب غزة عن الدورة الاقتصادية الفعلية لم يؤد فقط إلى خسارة سوق استهلاكية وإنتاجية، بل أدى إلى إعادة تشكيل المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الفلسطيني ككل، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بالتمويل، والتوسع، والاستقرار القانوني للمشاريع. في هذا الإطار، ظهرت تطورات قانونية في البيئة الدولية مرتبطة بالحرب على غزة، من بينها دعوى مدنية رُفعت أمام محكمة فدرالية في الولايات المتحدة في عامي 2025 و2026، تقدم بها مئات المدعين من عائلات ضحايا أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استناداً إلى تشريعات أمريكية تتعلق بمكافحة الإرهاب. الدعوى شملت أطرافاً وشبكات اقتصادية يُزعم ارتباطها ببيئات تشغيلية في قطاع غزة، ومن بينها اسم رجل الأعمال بشار المصري، في سياق ادعاءات تتعلق بدور بعض البنى التحتية أو المشاريع الاقتصادية في البيئة العامة التي جرت فيها الأحداث. وفي المقابل، ينفي المصري والشركات المرتبطة به هذه الادعاءات، مؤكداً أن جميع الاستثمارات ذات طبيعة تنموية بحتة، وتهدف إلى خلق فرص عمل وتعزيز الاقتصاد المحلي، دون أي صلة بأي نشاط عسكري أو أمني. وقد دفع فريق الدفاع في هذا الملف باتجاه رفض الدعوى، باعتبارها قائمة على استنتاجات غير مباشرة، وأن تحميل المشاريع التنموية في بيئة نزاع مسلح مسؤوليات مرتبطة بأحداث سياسية أو عسكرية يمثل توسعاً غير مسبوق في مفهوم المسؤولية القانونية. ما يميز هذا النوع من القضايا ليس فقط مضمونها القانوني، بل السياق الذي تظهر فيه، حيث باتت البيئة الاقتصادية الفلسطينية جزءاً من مجال قانوني دولي أكثر تشدداً، تتداخل فيه اعتبارات الامتثال المالي، والمخاطر الجيوسياسية، وتفسير العلاقة بين الاستثمار والبيئة السياسية. وبالتوازي مع ذلك، يتعامل القطاع الخاص الفلسطيني مع شبكة أوسع من القيود البنيوية، تشمل محدودية الوصول إلى الأسواق، وتعطل سلاسل التوريد، والاعتماد الكبير على بيئة سياسية غير مستقرة، ما يجعل أي توسع اقتصادي مشروطاً بعوامل خارجية لا تخضع لاعتبارات السوق فقط. ومع استمرار الحرب على غزة منذ 2023، لم يعد الحديث يدور حول أزمة اقتصادية محلية، بل حول إعادة تشكيل كاملة لوظيفة الاقتصاد الفلسطيني، حيث تراجعت القدرة الإنتاجية، وتقلصت الأسواق، وتعمقت الفجوة بين الإمكانيات الاقتصادية والواقع الفعلي. في المحصلة، يبدو القطاع الخاص الفلسطيني اليوم أمام مرحلة مختلفة تماماً عن العقدين الماضيين. لم يعد التحدي في النمو داخل قيود، بل في إعادة تعريف معنى الاقتصاد نفسه داخل بيئة تتغير فيها قواعد التشغيل والاستثمار بشكل جذري، وتصبح فيها المخاطر السياسية والقانونية جزءاً أساسياً من كل قرار اقتصادي..

2026-10-19

قطاع الزراعة في غزة.. من سلة غذاء محاصرة إلى أرض مجرفة: قصة انهيار القطاع الزراعي منذ 7 أكتوبر 2023

غزة الذاكرة الحية- حين اندلعت الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن الأراضي الزراعية في القطاع مجرد مساحات خضراء تنتج الغذاء، بل كانت تمثل أحد آخر خطوط الصمود الاقتصادي والاجتماعي في منطقة تعيش حصاراً مستمراً منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وعلى امتداد سنوات طويلة، شكّلت الزراعة مصدراً رئيسياً للغذاء والدخل لعشرات آلاف العائلات الفلسطينية، وساهمت بما يقارب 10% من اقتصاد غزة، فيما اعتمد أكثر من 560 ألف شخص بشكل كلي أو جزئي على الزراعة والرعي والصيد لكسب رزقهم. إلا أن ما جرى خلال الحرب حوّل هذا القطاع من مصدر للحياة إلى أحد أكثر القطاعات تضرراً ودماراً في تاريخ غزة الحديث. قبل الحرب، بلغت المساحات الزراعية في قطاع غزة نحو 15 ألف هكتار، أي ما يزيد على 150 مليون متر مربع من الأراضي المزروعة بالمحاصيل الحقلية والخضروات والأشجار المثمرة والبيوت البلاستيكية. وكانت محافظات شمال غزة ورفح وخان يونس تشكل القلب الزراعي للقطاع، حيث تنتشر بساتين الزيتون والحمضيات واللوزيات وحقول الخضروات والفراولة، إضافة إلى آلاف الدونمات المزروعة بالقمح والشعير والمحاصيل الموسمية. لكن هذه المناطق نفسها تحولت خلال الحرب إلى ساحات عمليات عسكرية واسعة، تعرضت خلالها الأراضي للتجريف والقصف والحرق والتدمير المباشر. في الأشهر الأولى للحرب بدأت صور الأقمار الصناعية تكشف حجم الكارثة. ففي فبراير/شباط 2024 كانت نحو 42.6% من الأراضي الزراعية قد تعرضت لأضرار مباشرة. وبعد ثلاثة أشهر فقط ارتفعت النسبة إلى 57.3%. وبحلول سبتمبر/أيلول 2024 وصلت الأراضي الزراعية المتضررة إلى 67.6% من إجمالي الأراضي المزروعة في القطاع، أي أكثر من 10 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية التي تعرضت للتجريف أو التدمير أو الضرر الشديد. كما أظهرت التحليلات الفضائية أن 71.2% من الأشجار والبساتين تعرضت للتلف، و67.1% من المحاصيل الحقلية تضررت، إضافة إلى تدمير 58.5% من مساحات الخضروات. ومع استمرار الحرب خلال عام 2025، تفاقمت الخسائر بشكل غير مسبوق. ووفقاً لأحدث تقييم مشترك أجرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، فإن أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في غزة تعرضت لأضرار مباشرة بحلول أبريل/نيسان 2025، بما يعادل 12,537 هكتاراً من أصل 15,053 هكتاراً من الأراضي الزراعية. كما أصبح 77.8% من الأراضي الزراعية غير قابل للوصول بسبب العمليات العسكرية أو المناطق العازلة أو مخاطر القصف، ولم يبق متاحاً للزراعة سوى 688 هكتاراً فقط، أي 4.6% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع. لكن الكارثة لم تتوقف عند هذا الحد. ففي يوليو/تموز 2025، أظهرت تقييمات أممية جديدة أن نسبة الأراضي الزراعية المتضررة ارتفعت إلى أكثر من 86%، فيما أصبحت 98.5% من الأراضي الزراعية إما متضررة أو غير قابلة للوصول أو الاثنتين معاً. وبمعنى آخر، لم يتبقَّ صالحاً للزراعة سوى 232 هكتاراً فقط من أصل أكثر من 15 ألف هكتار كانت تُزرع قبل الحرب، أي ما يعادل 1.5% فقط من الأراضي الزراعية في قطاع غزة. إحدى أكثر صور الدمار وضوحاً تمثلت في عمليات التجريف الواسعة. فالمشاهد الفضائية التي وثقتها المؤسسات الدولية أظهرت إزالة آلاف الدونمات من الأشجار والبساتين وتسوية مساحات زراعية كاملة بالأرض، خاصة في شمال القطاع وشرق غزة وشرق خان يونس ورفح. وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن ما يزيد على 178 ألف دونم من الأراضي الزراعية تعرضت لأضرار أو تجريف أو تدمير بدرجات متفاوتة، وهو ما يمثل أكثر من 80% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع. كما تراجعت المساحات المزروعة بالخضروات من نحو 93 ألف دونم قبل الحرب إلى نحو 4 آلاف دونم فقط في بعض مراحل الحرب، ما يعكس انهياراً شبه كامل للإنتاج الزراعي المحلي. ولم تكن الأراضي وحدها الضحية. فقد تعرضت البنية التحتية الزراعية لدمار هائل. وتشير بيانات الفاو إلى أن 71.2% من البيوت البلاستيكية الزراعية تعرضت للتدمير أو الضرر الشديد بحلول ربيع 2025، لترتفع النسبة لاحقاً إلى نحو 80% خلال خريف العام نفسه. وفي بعض المناطق، خاصة محافظة غزة وشمال غزة، اختفت البيوت البلاستيكية تقريباً من المشهد الزراعي بالكامل. أما آبار المياه الزراعية، التي تشكل شريان الحياة للقطاع الزراعي في غزة، فقد تعرضت هي الأخرى لدمار واسع. وبحلول أبريل 2025 كانت 82.8% من الآبار الزراعية قد تضررت أو دمرت بشكل كامل، مقارنة بنحو 67.7% في نهاية عام 2024. هذا التدمير حرم آلاف المزارعين من القدرة على ري أراضيهم حتى في المناطق التي لم تتعرض للتجريف المباشر. كما أصابت الخسائر قطاع الثروة الحيوانية بصورة كارثية. فقد أدى القصف ونقص الأعلاف والمياه والأدوية البيطرية إلى نفوق أعداد هائلة من الحيوانات. وتحدثت تقارير دولية عن انهيار شبه كامل لقطاع الدواجن، بينما تعرضت مزارع الأبقار والأغنام والماعز لخسائر جسيمة. وتقدر جهات فلسطينية أن مئات مزارع الأبقار والأغنام والدواجن خرجت من الخدمة أو دمرت خلال الحرب. ومع حلول عام 2026، لم تعد الأزمة زراعية فقط، بل تحولت إلى أزمة أمن غذائي شاملة. فالأراضي التي كانت تنتج الخضروات والفواكه والحبوب أصبحت في معظمها أراضي مدمرة أو غير قابلة للوصول. والبنية الزراعية التي تراكم بناؤها خلال عقود تعرضت لتدمير واسع. وتشير تقارير حديثة إلى أن أقل من 5% من الأراضي الزراعية كانت متاحة للزراعة في بعض فترات عام 2025، بينما أظهرت تقييمات لاحقة أن الأراضي السليمة والمتاحة فعلياً للإنتاج لم تتجاوز 1.5% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع. إن خسائر الزراعة في غزة لا تُقاس فقط بعدد الدونمات المجرفة أو الأشجار المقتلعة أو البيوت البلاستيكية المدمرة، بل بحجم القدرة الغذائية التي فقدها المجتمع الفلسطيني. فكل دونم دُمّر كان ينتج غذاءً، وكل بئر تعطلت كانت تروي حقولاً، وكل شجرة اقتُلعت كانت تمثل استثماراً تراكم عبر سنوات طويلة. واليوم، وبعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، يقف القطاع الزراعي في غزة أمام واحدة من أكبر الكوارث الزراعية التي شهدها الشرق الأوسط في العصر الحديث، فيما تحتاج عملية إعادة تأهيل الأراضي والآبار والبنية الزراعية إلى سنوات طويلة ومليارات الدولارات حتى تستعيد جزءاً من قدرتها السابقة على الإنتاج..

2026-10-19

قطاع الصناعة في غزة.. كيف تحولت المصانع من محركات للاقتصاد إلى شواهد على الانهيار (2023 – 2026)

غزة الذاكرة الحية: في صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان القطاع الصناعي في غزة يعمل تحت ظروف صعبة فرضها حصار ممتد منذ سنوات، لكنه رغم ذلك حافظ على حد أدنى من النشاط والإنتاج. مئات المصانع وآلاف الورش كانت تنتج الغذاء والأثاث والملابس والبلاستيك والمنتجات المعدنية ومواد البناء، وتشكل أحد أهم مصادر الدخل والتشغيل في القطاع. قبل الحرب، كان قطاع غزة يضم ما يزيد على 4 آلاف منشأة صناعية متفاوتة الحجم، إضافة إلى آلاف الورش الصغيرة والحرفية. وكانت الصناعة تساهم بما يقارب 10 إلى 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للقطاع، بينما وفرت بشكل مباشر وغير مباشر عشرات آلاف فرص العمل. وبرغم القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير، نجحت بعض المصانع في الوصول إلى أسواق الضفة الغربية والخارج، فيما كانت الصناعات الغذائية والإنشائية والنسيجية تشكل ركائز أساسية للاقتصاد المحلي. لكن الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 لم تستهدف فقط البنية السكنية والخدماتية، بل أصابت قلب الاقتصاد الإنتاجي. وخلال الأيام الأولى، بدأت المصانع تتوقف الواحدة تلو الأخرى. لم يكن السبب القصف المباشر وحده، بل أيضاً انقطاع الكهرباء بالكامل تقريباً، ونفاد الوقود، وتعطل شبكات النقل، وإغلاق المعابر، وانقطاع المواد الخام التي تعتمد عليها خطوط الإنتاج. في الأسابيع الأولى، وجدت مئات المصانع نفسها عاجزة عن الاستمرار. خطوط الإنتاج توقفت، المولدات تعطلت بسبب نقص الوقود، والمخازن امتلأت ببضائع لا يمكن تسويقها أو نقلها. وفي الوقت نفسه، بدأت خسائر القطاع الخاص تتراكم بسرعة كبيرة. وتشير تقديرات أولية إلى أن الخسائر التي تكبدها القطاع الخاص خلال الشهرين الأولين فقط تجاوزت 1.5 مليار دولار، كان نصيب الصناعة منها كبيراً بسبب ارتفاع قيمة الأصول الصناعية من آلات ومعدات ومخازن ومنشآت. ومع انتقال الحرب إلى مراحل أكثر اتساعاً خلال عام 2024، دخل القطاع الصناعي مرحلة جديدة من الانهيار. لم يعد الحديث عن توقف الإنتاج فحسب، بل عن تدمير فعلي للبنية الصناعية. عشرات المصانع تعرضت للقصف المباشر أو لأضرار جسيمة، فيما تحولت مناطق صناعية كاملة إلى مناطق منكوبة. الصور الجوية التي وثقت الدمار أظهرت اختفاء مبانٍ صناعية كانت تمثل مراكز إنتاج رئيسية في غزة وخان يونس ورفح. وبحسب تقييمات دولية مشتركة صادرة عن الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، فإن قطاعي التجارة والصناعة كانا من أكثر القطاعات الاقتصادية تعرضاً للأضرار المباشرة بعد قطاع الإسكان. وقدرت قيمة الأضرار المادية في مختلف القطاعات بنحو 30 مليار دولار حتى مطلع عام 2025، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن توقف الإنتاج والنشاط الاقتصادي نحو 19 مليار دولار إضافية. داخل المصانع نفسها، كانت الخسائر أكثر تعقيداً من مجرد تدمير المباني. خطوط إنتاج كاملة توقفت أو دُمرت. آلات استوردت على مدار سنوات خرجت من الخدمة. مخازن للمواد الخام والمنتجات الجاهزة تعرضت للحرق أو الدمار. كما فقدت آلاف الشركات الصناعية قواعد بياناتها وأصولها التشغيلية ومركباتها وشبكات توزيعها. في قطاع الصناعات الغذائية، الذي يعد من أهم القطاعات الإنتاجية في غزة، تعرضت عشرات المصانع للتدمير أو التوقف. مصانع الألبان والعصائر والمعلبات والمخبوزات واجهت صعوبات هائلة في الحصول على المواد الخام والطاقة. وأدى ذلك إلى تراجع حاد في الإنتاج الغذائي المحلي، ما زاد من اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية. أما قطاع صناعة الأثاث والأخشاب، الذي كان يعد من القطاعات المعروفة في غزة، فقد تعرض لضربة قاسية نتيجة تدمير الورش والمصانع وصعوبة إدخال المواد الخام. كذلك الحال بالنسبة لصناعة الملابس والنسيج التي كانت تشغل آلاف العمال قبل الحرب، إذ توقفت غالبية المصانع عن العمل بشكل كامل. ولم تكن الصناعات البلاستيكية والكيماوية أفضل حالاً. فهذه الصناعات تعتمد بصورة كبيرة على المواد الخام المستوردة، ومع توقف دخولها أصبحت خطوط الإنتاج معطلة حتى في المنشآت التي لم تتعرض للقصف المباشر. كما تضررت مصانع مواد البناء والخرسانة والرخام بشكل كبير، سواء نتيجة التدمير أو نتيجة غياب المواد اللازمة للتشغيل. ومع حلول نهاية عام 2024، بدأت المؤسسات الدولية تتحدث عن انهيار اقتصادي هو الأشد في التاريخ الحديث للقطاع. فقد انكمش اقتصاد غزة بنسبة تجاوزت 80 بالمئة، وهي من أعلى نسب الانكماش المسجلة عالمياً خلال العقود الأخيرة. كما أشارت تقديرات اقتصادية إلى أن الإنتاج الصناعي تراجع بأكثر من 90 بالمئة مقارنة بمستوياته قبل الحرب، ما يعني أن معظم الطاقة الإنتاجية للقطاع خرجت فعلياً من الخدمة. على مستوى العمالة، انعكست الأزمة الصناعية بصورة مباشرة على سوق العمل. عشرات آلاف العمال فقدوا وظائفهم مع توقف المصانع والورش. وأصبحت البطالة ظاهرة عامة تمس معظم الأسر تقريباً. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدلات البطالة في غزة تجاوزت 75 بالمئة، فيما اختفت فرص العمل المرتبطة بالقطاع الصناعي بشكل شبه كامل. ومع استمرار الحرب خلال عامي 2025 و2026، لم يعد التحدي مقتصراً على إعادة تشغيل المصانع المتضررة، بل أصبح يتعلق بإعادة بناء قاعدة إنتاجية كاملة. فالكثير من المنشآت لم تعد موجودة أصلاً، فيما تحتاج منشآت أخرى إلى إعادة تأهيل شاملة تشمل المباني والآلات وشبكات الكهرباء والمياه والطرق. وتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن أكثر من 90 بالمئة من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الضرر بدرجات متفاوتة. وتشمل هذه النسبة آلاف المنشآت الصناعية التي كانت تشكل العمود الفقري للإنتاج المحلي. كما تشير التقديرات إلى أن إعادة إعمار القطاع الاقتصادي والإنتاجي ستتطلب عشرات المليارات من الدولارات وسنوات طويلة من العمل، حتى في حال توقف الحرب بشكل كامل. اليوم، وبعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لم تعد خسائر الصناعة في غزة تُقاس بعدد المصانع المدمرة أو قيمة الآلات التي خرجت من الخدمة فقط، بل بحجم القدرة الإنتاجية التي فُقدت. فقد خسرت غزة جزءاً كبيراً من قدرتها على تصنيع الغذاء والدواء والملابس ومواد البناء والمنتجات الأساسية. وخسرت معها آلاف الخبرات المهنية والحرفية التي تراكمت على مدى عقود. لقد تحولت المصانع التي كانت يوماً ما رموزاً للصمود الاقتصادي إلى مبانٍ صامتة أو أكوام من الركام. وبينما تستمر الحرب، يبقى القطاع الصناعي واحداً من أكثر القطاعات تضرراً، وشاهداً على حجم التحول الاقتصادي العميق الذي أصاب غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وهو تحول لن يكون من السهل أو السريع تجاوزه حتى بعد انتهاء الحرب..

2026-06-12

قطاع التجارة في غزة.. انهيار منظومة السوق تحت الحرب (2023 – 2026)

حين تُغلق الحرب أبواب السوق لم تكن الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مجرد مواجهة عسكرية امتدت فوق جغرافيا قطاع غزة، بل شكلت لحظة فاصلة أعادت تشكيل الاقتصاد من جذوره، وعلى وجه الخصوص القطاع التجاري الذي يُعد العمود الفقري للحياة اليومية. في الأيام الأولى، بدأت مؤشرات الانهيار تظهر بشكل متسارع مع إغلاق المعابر وتوقف حركة الاستيراد وتراجع تدفق السلع الأساسية، إلى جانب اضطراب واسع في الأسواق المحلية. ومع مرور الوقت، لم يعد الحديث يدور عن ركود اقتصادي، بل عن تفكك تدريجي لمنظومة السوق بالكامل، حيث تلاشت القواعد التقليدية للتجارة وتحول الاقتصاد إلى حالة استثنائية تُدار بالندرة والضرورة. أولاً: الأيام الأولى… انهيار مفاجئ للسوق (أكتوبر – نوفمبر 2023) في الأسابيع الأولى للحرب تعرض القطاع التجاري في غزة لصدمة مركبة أصابت جميع مكوناته في وقت واحد. توقف شبه كامل لحركة الاستيراد مع إغلاق المعابر بشكل فعلي أو تقليص عملها إلى الحد الأدنى، توقفت حركة دخول السلع التجارية الأساسية بشكل شبه كامل. المواد الغذائية والوقود ومواد البناء والمستلزمات الطبية أصبحت تدخل بكميات محدودة لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية. وتراجعت حركة الاستيراد التجاري بنسبة تقديرية تتراوح بين 85% إلى 95%. الأسواق تحت الصدمة مئات الأسواق الشعبية أغلقت أبوابها، وتوقفت آلاف المحال التجارية الصغيرة والمتوسطة عن العمل بسبب الدمار أو النزوح أو انقطاع الإمدادات. ومع ذلك ظهرت ملامح سوق جديد يعتمد على ما تبقى من مخزون أو ما يدخل بشكل متقطع. انهيار الطلب الداخلي فقدت آلاف الأسر مصادر دخلها خلال فترة قصيرة، وتراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات حادة قُدرت بانخفاض يتراوح بين 70% إلى 90%. ومع هذا الانهيار، تحول السوق إلى مساحة تركز فقط على السلع الأساسية للبقاء. ثانياً: 2024… اقتصاد الندرة وتفكك سلاسل الإمداد مع دخول الحرب عامها الثاني، انتقل الاقتصاد التجاري من حالة الصدمة إلى حالة الانهيار البنيوي المستمر. شلل الاستيراد المنظم توقف الاستيراد التجاري المنظم تقريباً، وأصبح السوق يعتمد على مساعدات إنسانية محدودة ومخزونات قديمة وكميات قليلة تدخل بشكل غير منتظم. هذا الوضع أدى إلى انهيار دور شركات الجملة والتوزيع التي كانت تشكل العمود الفقري للسوق. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من شركات التوزيع والجملة توقفت كلياً أو جزئياً عن العمل. ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق شهدت السلع الأساسية ارتفاعات حادة ومتكررة، وصلت في بعض الفترات إلى ما بين 300% و1200% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. كما اختفت بعض السلع بشكل كامل في فترات معينة، ما زاد من حالة الندرة. انهيار التخزين وسلاسل التوريد تعرضت المخازن للتدمير أو التعطيل، إضافة إلى فقدان القدرة على التخزين بسبب انقطاع الكهرباء والوقود. وتشير تقديرات ميدانية إلى خروج ما بين 50% إلى 65% من قدرات التخزين عن الخدمة. ثالثاً: تدمير البنية التجارية (2024 – 2025) مع استمرار العمليات العسكرية، لم يعد الانهيار اقتصادياً فقط بل تحول إلى تدمير مباشر للبنية التجارية. الأسواق المركزية تعرضت الأسواق الرئيسية في غزة وخان يونس ورفح لأضرار واسعة أو دمار كامل، ما أدى إلى فقدان مراكز التوزيع الأساسية. المحال التجارية في العديد من المناطق، تم تدمير أو إغلاق ما بين 70% إلى 80% من المحال التجارية. كما اختفت أحياء تجارية كاملة كانت تشكل مراكز نشاط اقتصادي رئيسية. النظام النقدي واجه السوق أزمة سيولة حادة مع توقف أو تعطل العمليات المصرفية بشكل كبير، ما أدى إلى الاعتماد شبه الكامل على النقد المحدود أو تبادل السلع في بعض الحالات. رابعاً: اقتصاد الحرب… السوق الموازي مع انهيار السوق الرسمي، ظهر اقتصاد بديل فرض نفسه على الواقع. صعود الوسطاء أصبح الوسطاء يتحكمون في حركة السلع وتوزيعها، ما أدى إلى تفاوت كبير في الأسعار بين منطقة وأخرى. الاحتكار والندرة تم تخزين بعض السلع الأساسية وإعادة بيعها بأسعار مرتفعة، في ظل غياب الرقابة الفعلية، ما حول بعض المواد إلى أدوات نفوذ أكثر من كونها سلعاً استهلاكية. تحول السوق لم يعد السوق خاضعاً لمنطق العرض والطلب فقط، بل لمنطق الوصول والسيطرة والقدرة على النقل والتخزين. خامساً: الخسائر الاقتصادية للقطاع التجاري رغم صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة بسبب استمرار الحرب، إلا أن التقديرات تشير إلى ما يلي خسائر القطاع الخاص في غزة تقدر بين 15 و20 مليار دولار حتى عام 2025 التجارة والخدمات تشكل نحو 40% من إجمالي الخسائر الاقتصادية المباشرة خسائر الأشهر الأولى من الحرب تراوحت بين 1.2 و1.8 مليار دولار كما تشير البيانات إلى تدمير جزء كبير من رأس المال التجاري سواء عبر فقدان المخزون أو توقف النشاط بالكامل. سادساً: أثر الانهيار على المجتمع الأسر فقدت آلاف الأسر قدرتها على تأمين الغذاء بشكل منتظم، وتحولت إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية، مع تراجع الاستهلاك إلى الحد الأدنى. التجار شهد القطاع إفلاساً واسعاً بين صغار التجار، مع خسارة كاملة للمخزون ورأس المال، وتوقف شبه شامل للنشاط التجاري. الاقتصاد العام توقفت الدورة الاقتصادية الداخلية، وانعدمت حركة الأموال الطبيعية، وتحول الاقتصاد من إنتاجي وتجاري إلى اقتصاد إغاثي يعتمد على المساعدات. سابعاً: 2025 – 2026… اقتصاد شبه متوقف مع استمرار الحرب، أصبح القطاع التجاري في حالة انكماش حاد أكثر من 80% من المنشآت التجارية متوقفة كلياً أو جزئياً تراجع كبير في الطبقة التجارية المتوسطة اعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية غياب منظومة السوق المنظمة خاتمة: سوق بلا دورة حياة لم يعد القطاع التجاري في غزة مجرد قطاع متضرر، بل أصبح بنية اقتصادية شبه منهارة. فالعلاقة الطبيعية بين الإنتاج والاستيراد والتوزيع والاستهلاك لم تعد قائمة، لتحل محلها منظومة هشّة تحكمها الندرة والانقطاع. وفي ظل هذا الواقع، تحولت التجارة من نشاط اقتصادي إلى مساحة بقاء يومي، بينما بقي السوق شاهداً على واحدة من أعمق التحولات الاقتصادية التي فرضتها الحرب على غزة منذ عام 2023..

2026-06-12

قطاع الطاقة في غزة.. كيف أُطفئت مدينة كاملة؟

عندما حلّ مساء السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن سكان قطاع غزة يدركون أن واحدة من أطول فترات الظلام في التاريخ الفلسطيني الحديث قد بدأت. فخلال أيام قليلة انهارت منظومة الطاقة التي كانت تعاني أصلاً من أزمات مزمنة منذ سنوات، لتدخل غزة مرحلة غير مسبوقة من الانقطاع شبه الكامل للكهرباء، وتحول الوقود إلى سلعة نادرة، وتصبح الطاقة عنواناً لأزمة إنسانية واقتصادية وصحية امتدت إلى كل بيت ومؤسسة ومستشفى. لم يكن تدمير قطاع الطاقة مجرد خسارة فنية أو اقتصادية، بل شكّل ضربة مباشرة لأسس الحياة المدنية في القطاع، حيث تعتمد جميع القطاعات الحيوية على الكهرباء: المياه، والصرف الصحي، والمستشفيات، والاتصالات، والتعليم، والإنتاج الصناعي والغذائي. أولاً: واقع الطاقة في غزة قبل الحرب قبل أكتوبر 2023، كان قطاع غزة يعاني أصلاً من عجز مزمن في الكهرباء. بلغت احتياجات القطاع اليومية ما بين 500 و600 ميغاواط، بينما لم يكن المتاح فعلياً يتجاوز في أفضل الأحوال 220 ميغاواط. وكانت مصادر الكهرباء الرئيسية: - محطة توليد غزة * أُنشئت عام 2002. * الطاقة التصميمية الأصلية: نحو 140 ميغاواط. * كانت تعتمد بالكامل على الوقود الصناعي المستورد. 📌 الخطوط الإسرائيلية * 10 خطوط تغذية رئيسية. * قدرة إجمالية تقارب 120 ميغاواط. ### 📌 الخطوط المصرية * قدرة تتراوح بين 15 و20 ميغاواط. * كانت تخدم أجزاء من جنوب القطاع. رغم ذلك، كان السكان يعيشون وفق نظام تقنين يومي يتراوح بين 8 و12 ساعة انقطاع كهربائي حتى قبل الحرب. ثانياً: الأيام الأولى للحرب.. بداية الانهيار بين 7 و11 أكتوبر 2023 تعرضت منظومة الطاقة لأول صدمة كبرى. أعلنت السلطات الإسرائيلية وقف إمدادات الكهرباء والوقود إلى غزة، وتوقفت خطوط التغذية تدريجياً. وفي 11 أكتوبر 2023 أعلنت سلطة الطاقة الفلسطينية توقف محطة التوليد الوحيدة بالكامل بعد نفاد الوقود. ومنذ تلك اللحظة: * انقطع التيار الكهربائي عن غالبية القطاع. * أصبحت المستشفيات تعتمد على مولدات الطوارئ. * توقفت آلاف المنشآت الاقتصادية. * دخلت غزة مرحلة "الاعتماد الكامل على الوقود الإنساني المحدود". ثالثاً: تدمير الشبكة الكهربائية لم تقتصر الأزمة على نقص الوقود، بل تعرضت الشبكة نفسها لدمار واسع. بحلول نهاية عام 2024 كانت فرق التقييم تشير إلى أن غالبية البنية التحتية الكهربائية تعرضت للتدمير أو الضرر الجسيم. أبرز الأضرار الموثقة شبكات النقل والتوزيع 🔴 تدمير أكثر من 3080 كيلومتراً من خطوط الكهرباء. 🔴 تضرر آلاف الأعمدة الكهربائية. 🔴 تدمير أجزاء واسعة من الكوابل الأرضية. 🔴 خروج عشرات محطات التحويل عن الخدمة. المحولات الكهربائية 🔴 تدمير أو تضرر نحو: * 1980 محولاً هوائياً. * 125 محولاً أرضياً. - المنشآت التشغيلية 🔴 أضرار جسيمة في: * مراكز التحكم. * مخازن شركة الكهرباء. * ورش الصيانة. * أسطول المركبات الفنية. رابعاً: الخسائر المالية المباشرة وفق الدراسات الفنية الصادرة عن خبراء شركة توزيع الكهرباء: | البند | قيمة الخسائر | | ---------------------- | ------------------ | | أضرار الشبكات والمنشآت | 259.85 مليون دولار | | خسائر الإيرادات | 212.3 مليون دولار | | الإجمالي المباشر | 472.15 مليون دولار | لكن هذه الأرقام لا تشمل: * الخسائر الاقتصادية الوطنية. * الأضرار غير المباشرة. * تكاليف إعادة الإعمار الكاملة. ولهذا تشير تقديرات أحدث إلى أن فاتورة قطاع الكهرباء وحده قد تتجاوز 700 مليون دولار عند اكتمال الحصر. خامساً: أزمة الوقود إذا كان تدمير الشبكة هو الوجه الأول للأزمة، فإن نقص الوقود كان الوجه الثاني. منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم: * تعرضت إمدادات الوقود لانقطاعات متكررة. * خضعت الكميات الداخلة لقيود كبيرة. * أصبحت الأولوية للمستشفيات ومحطات المياه. وتسببت الأزمة في: المستشفيات * تقليص العمليات الجراحية. * إغلاق بعض الأقسام. * تهديد أجهزة العناية المكثفة. - المياه * انخفاض إنتاج المياه المحلاة. * توقف آبار عديدة. * تراجع ضخ المياه للمنازل. الاتصالات * انقطاع متكرر لخدمات الهاتف والإنترنت. * توقف محطات إرسال عديدة. سادساً: الطاقة الشمسية.. الملاذ الأخير قبل الحرب كانت آلاف المنازل والمؤسسات تعتمد جزئياً على الطاقة الشمسية. لكن الحرب أدت إلى: 🔴 تدمير أعداد كبيرة من الألواح الشمسية. 🔴 سرقة أو فقدان البطاريات نتيجة النزوح والدمار. 🔴 تعطل الأنظمة بسبب غياب الصيانة. ورغم ذلك بقيت الطاقة الشمسية أحد أهم مصادر الكهرباء المحدودة المتاحة للسكان خلال سنوات الحرب. سابعاً: أثر انهيار الطاقة على القطاع الصحي يُعد القطاع الصحي المثال الأكثر وضوحاً على خطورة انهيار الكهرباء. فالمستشفى الحديث يعتمد على الكهرباء في: * غرف العمليات. * أجهزة التنفس الصناعي. * أجهزة الأشعة. * المختبرات. * حضانات الأطفال الخدج. * وحدات غسيل الكلى. وخلال الحرب تحولت المولدات إلى شريان حياة، بينما أصبح الوقود عاملاً حاسماً في استمرار عمل المستشفيات. ثامناً: أثر الأزمة على المياه والصرف الصحي قبل الحرب كانت محطات التحلية والصرف الصحي تستهلك جزءاً كبيراً من الكهرباء المنتجة في غزة. ومع انهيار الطاقة: * توقفت محطات عديدة. * تراجع إنتاج المياه النظيفة. * ازدادت مخاطر التلوث البيئي. * تدفقت كميات من مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر. وأصبح الحصول على المياه أحد أبرز التحديات اليومية للسكان. تاسعاً: الاقتصاد تحت العتمة لا يمكن فصل أزمة الطاقة عن الانهيار الاقتصادي الأوسع. فالكهرباء تمثل المحرك الأساسي لكل نشاط اقتصادي. ومع انهيارها: 📌 توقفت المصانع. 📌 تعطلت ورش الإنتاج. 📌 تراجعت الصناعات الغذائية. 📌 انهارت سلاسل التبريد. 📌 ارتفعت تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق. وأصبح تشغيل مولد خاص لساعات قليلة يومياً عبئاً يفوق قدرة معظم المنشآت. عاشراً: إعادة الإعمار والتحديات المستقبلية بحسب تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحتاج غزة إلى أكثر من 53 مليار دولار لإعادة الإعمار والتعافي. وسيكون قطاع الطاقة من أكثر القطاعات كلفة وتعقيداً للأسباب التالية: * تدمير واسع للشبكات. * الحاجة إلى استبدال آلاف المحولات. * إعادة تأهيل محطة التوليد. * تحديث أنظمة النقل والتوزيع. * إدخال حلول الطاقة المتجددة على نطاق واسع. ويرى خبراء الطاقة أن إعادة بناء المنظومة الكهربائية قد تستغرق سنوات طويلة حتى في حال توفر التمويل الكامل. بعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لم تعد أزمة الكهرباء في غزة مجرد أزمة خدمات، بل أصبحت إحدى أبرز سمات الحرب نفسها. فخلف كل رقم يتعلق بالطاقة قصة مستشفى كافح للبقاء، أو بئر مياه توقف عن العمل، أو مصنع أغلق أبوابه، أو أسرة أمضت ليالي طويلة في الظلام. لقد تحولت الكهرباء في غزة من خدمة عامة إلى عنصر بقاء، وأصبح انهيار قطاع الطاقة أحد أكثر المؤشرات وضوحاً على حجم الدمار الذي أصاب القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، في حرب أعادت تشكيل البنية التحتية والحياة اليومية والاقتصاد الفلسطيني على نحو غير مسبوق..

2026-06-11

ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,991 والإصابات إلى 173,219 منذ بدء العدوان

غزة -11-6-2026 - أعلنت مصادر طبية في قطاع غزة، اليوم الخميس، ارتفاع حصيلة عدوان الاحتلال الإسرائيلي على القطاع إلى 72,991 شهيدا، و173,219 إصابات، منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وأفادت المصادر، بأن مستشفيات قطاع غزة استقبلت خلال الساعات الـ24 الماضية 7 إصابات. وأشارت إلى أن إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي قد ارتفع إلى 981، وإجمالي الإصابات إلى 3,111، فيما جرى انتشال 783 جثمانا. وبينت أنه لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة..

2026-10-19

اقتصاد تحت الحصار: الضفة الغربية والقدس الشرقية بين فقدان الدخل، شلل الحركة، وأزمة المقاصة منذ 7 أكتوبر 2023

غزة الذاكرة الحية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية مرحلة غير مسبوقة من الانكماش الاقتصادي، نتيجة تداخل ثلاث صدمات رئيسية تتمثل في فقدان سوق العمل داخل إسرائيل، تشديد القيود على الحركة داخل الضفة الغربية، وتصاعد الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية بسبب احتجاز أموال المقاصة. وتشير بيانات صادرة عن البنك الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، ومنظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن الاقتصاد الفلسطيني تعرض لانكماش يُعد من الأعمق في تاريخه الحديث، مع آثار ممتدة طالت سوق العمل والإنتاج والاستهلاك والمالية العامة. أولاً: انكماش اقتصادي تاريخي تشير بيانات البنك الدولي وUNCTAD إلى أن الاقتصاد الفلسطيني سجل خلال عام 2024 انكماشاً بنحو 27%، وهو من أعلى معدلات التراجع المسجلة في المنطقة خلال فترة قصيرة. كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 70% من مستواه في عام 2022، فيما تراجع نصيب الفرد من الدخل إلى مستويات تعود إلى أوائل الألفية، بما يعادل فقدان أكثر من 22 عاماً من التقدم الاقتصادي. وفي الضفة الغربية تحديداً، تراوحت تقديرات الانكماش بين 19% و23%، نتيجة تراجع الاستهلاك المحلي، وتوقف جزء واسع من الاستثمارات، وتعطل الحركة التجارية الداخلية بين المدن والقرى. ثانياً: سوق العمل – فقدان عشرات آلاف الوظائف قبل 7 أكتوبر 2023، كان يعمل داخل إسرائيل والمستوطنات نحو 177,000 عامل فلسطيني من الضفة الغربية، وهو ما شكل أحد أهم مصادر الدخل للاقتصاد الفلسطيني. بعد اندلاع الحرب، انخفض عدد العمال المسموح لهم بالعمل إلى نحو 24,000 عامل فقط، ما يعني فقدان نحو 153,000 فرصة عمل مباشرة، بنسبة تراجع تقارب 86%. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يخسر يومياً نحو 25.5 مليون دولار من دخل العمال، وهو ما يعادل نحو 765 مليون دولار شهرياً، وحوالي 9.3 مليار دولار سنوياً من الأجور المفقودة. وقد انعكس هذا التراجع بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر، وارتفاع مستويات المديونية، وتراجع الطلب في الأسواق المحلية، إضافة إلى ضغوط متزايدة على الجهاز المصرفي. ثالثاً: البطالة – أزمة متفاقمة في سوق العمل وفق بيانات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ارتفعت معدلات البطالة في الضفة الغربية من نحو 13% قبل الحرب إلى ذروة وصلت إلى نحو 35% في الأشهر الأولى من الأزمة، قبل أن تستقر لاحقاً عند مستويات تتراوح بين 28% و29% خلال عام 2025. وبناءً على تقديرات حجم القوى العاملة في الضفة الغربية والتي تقارب 900 ألف عامل، فإن هذه النسب تعني وجود ما بين 250 ألفاً و315 ألف عاطل عن العمل، وهو مستوى غير مسبوق في السوق الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة. رابعاً: أموال المقاصة – الأزمة المالية الأشد تشكل أموال المقاصة التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية العمود الفقري للإيرادات العامة، إذ تمثل أكثر من 65% من دخل الخزينة الفلسطينية. وفي تصريحات رسمية لوزير المالية الفلسطيني، أشار إلى أن إسرائيل تحتجز وتقتطع جزءاً كبيراً من أموال المقاصة، وأن إجمالي الأموال المجمدة والمحتجزة يقدَّر بنحو يتراوح بين 4.4 و5 مليارات دولار، وهو ما يعكس حجم الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية خلال العامين الأخيرين. وتؤكد وزارة المالية أن هذه الاقتطاعات تراكمت خلال السنوات الأخيرة، وأدت إلى أزمة سيولة حادة انعكست على انتظام دفع الرواتب، حيث تم صرف رواتب جزئية في فترات متعددة، إضافة إلى توسع الاعتماد على الاقتراض من البنوك المحلية وتأجيل التزامات تجاه القطاع الخاص. كما تشير تقديرات البنك الدولي وUNCTAD إلى أن إجمالي الاقتطاعات الإسرائيلية من عائدات المقاصة خلال الفترة 2019–2025 يتراوح بين 1.7 و2.0 مليار دولار، ما يجعل ملف المقاصة أحد أخطر مصادر الضغط المالي على الاقتصاد الفلسطيني. خامساً: الحواجز والإغلاقات وتفكك الجغرافيا الاقتصادية تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن عدد العوائق والحواجز في الضفة الغربية ارتفع من نحو 642 عائقاً في منتصف عام 2023 إلى نحو 793 عائقاً في عام 2024، ثم إلى نحو 925 عائقاً بحلول عام 2025، بما يعكس زيادة تقارب 43%. وقد أدت هذه القيود إلى إطالة زمن التنقل بين المدن الفلسطينية إلى ما بين ضعفين وخمسة أضعاف، وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وتعطل سلاسل التوريد الداخلية، وتحويل الضفة الغربية إلى مناطق اقتصادية شبه منفصلة، ما أثر بشكل مباشر على التجارة والإنتاج. سادساً: القطاع الخاص – انكماش واسع في النشاط الاقتصادي تشير استطلاعات اقتصادية إلى أن نحو 95% من الشركات الفلسطينية سجلت انخفاضاً في المبيعات، فيما أفادت 76% من الشركات بوجود مشاكل في النقل والتوزيع، وأشارت نحو 29% منها إلى أنها اضطرت إلى الإغلاق الجزئي أو الكامل خلال فترات من الأزمة. ويعكس ذلك حالة تراجع واسعة في النشاط الاقتصادي نتيجة انخفاض الطلب وتدهور القدرة الشرائية. سابعاً: قطاع البناء والزراعة يعد قطاع البناء من أكثر القطاعات تضرراً بسبب اعتماده الكبير على العمال الفلسطينيين في الداخل، حيث أدى توقف دخول العمال إلى إسرائيل إلى شلل جزئي في القطاع، وتوقف أو تباطؤ آلاف المشاريع السكنية، إضافة إلى انخفاض الطلب على مواد البناء وخسائر تُقدّر بمئات ملايين الدولارات. أما القطاع الزراعي، فقد تأثر نتيجة منع الوصول إلى أراضٍ قريبة من الجدار والمستوطنات، وتراجع مواسم الإنتاج، خصوصاً موسم الزيتون في عامي 2023 و2024، إضافة إلى صعوبات في التسويق والنقل، ما أدى إلى خسائر متراكمة في دخل المزارعين. ثامناً: الاقتحامات والأثر الاقتصادي غير المباشر أدت الاقتحامات العسكرية المتكررة في مدن ومخيمات الضفة الغربية إلى إغلاقات متكررة للأسواق، وتعطيل المؤسسات التعليمية والاقتصادية لساعات أو أيام، إضافة إلى أضرار في البنية التحتية من طرق ومياه وكهرباء واتصالات، ما تسبب بخسائر تشغيلية يومية غير مباشرة، يصعب حصرها بدقة لكنها تتكرر بشكل مستمر في عدة مناطق. تاسعاً: القدس الشرقية – اقتصاد تحت الضغط شهدت القدس الشرقية تراجعاً ملحوظاً في النشاط الاقتصادي، خاصة في قطاع السياحة الداخلية والدينية، وانخفاض حركة الأسواق في البلدة القديمة، إلى جانب إغلاق أو تقليص عمل مئات المنشآت التجارية، وتراجع أداء قطاعي الفنادق والمطاعم نتيجة تراجع الحركة القادمة من الضفة الغربية. تشير مجمل البيانات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية دخل منذ 7 أكتوبر 2023 مرحلة من الانكماش العميق والمتداخل، حيث تزامن فقدان عشرات آلاف الوظائف، مع أزمة سيولة حادة نتيجة احتجاز أموال المقاصة، وتقييد الحركة الداخلية عبر الحواجز والإغلاقات. وبحسب البنك الدولي، فإن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى ترسيخ حالة من الركود الاقتصادي طويل الأمد، يصعب تعويضها حتى في حال حدوث تحسن سياسي أو أمني لاحق، ما يجعل الأزمة الحالية واحدة من أخطر التحولات الاقتصادية التي يشهدها الاقتصاد الفلسطيني في تاريخه الحديث..

2026-10-19

ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,991 والإصابات إلى 173,212 منذ بدء العدوان

غزة 10-6-2026- أعلنت مصادر طبية في قطاع غزة، اليوم الأربعاء، ارتفاع حصيلة عدوان الاحتلال الإسرائيلي على القطاع إلى 72,991 شهيدا، و173,212 إصابات، منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وأفادت المصادر، بأن مستشفيات قطاع غزة استقبلت خلال الساعات الـ24 الماضية 3 شهداء، و5 إصابات. وأشارت إلى أن إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي قد ارتفع إلى 981، وإجمالي الإصابات إلى 3,104، فيما جرى انتشال 783 جثمانا. وبينت أنه لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة..

2026-06-10

من اقتصادٍ محاصر إلى اقتصادٍ تحت الأنقاض.. الخسائر الاقتصادية في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023

غزة الذاكرة الحية- 9/6/2026- عندما اندلعت الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن الدمار مقتصرًا على المباني السكنية أو المنشآت المدنية، بل امتد ليطال البنية الاقتصادية بأكملها. خلال أشهر قليلة، تعرض اقتصاد القطاع لضربة غير مسبوقة، دفعت المؤسسات الدولية إلى وصف ما جرى بأنه أحد أكبر الانهيارات الاقتصادية التي شهدها العالم في منطقة محدودة المساحة خلال العصر الحديث. فغزة، التي تبلغ مساحتها نحو 365 كيلومترًا مربعًا ويقطنها أكثر من 2.3 مليون نسمة، كانت تعاني أصلًا من آثار حصار مستمر منذ عام 2007، وبطالة تجاوزت 45% قبل الحرب، واقتصاد هش يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية. ومع اندلاع الحرب، انهارت معظم القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والخدمية، وتعرضت البنية التحتية لدمار واسع النطاق. وبحسب التقييم المشترك الصادر عن الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي في فبراير/شباط 2025، بلغت قيمة الأضرار المباشرة نحو 30 مليار دولار، فيما وصلت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف الأنشطة الإنتاجية والخدمية إلى نحو 19 مليار دولار، ليصل إجمالي الأضرار والخسائر إلى ما يقارب 49 مليار دولار خلال السنة الأولى للحرب فقط. الفصل الأول: اقتصاد فقد معظم قدرته على الحياة قبل الحرب، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة نحو 3 مليارات دولار سنويًا، رغم الحصار والقيود المفروضة على الحركة والتجارة. لكن خلال عام 2024، سجل الاقتصاد الغزي أكبر انهيار في تاريخه الحديث. تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 83% خلال عام 2024، بينما تراجع الناتج المحلي إلى نحو 362 مليون دولار فقط. هذا الانهيار يعني أن معظم الأنشطة الاقتصادية توقفت أو تلاشت، وأن آلاف المنشآت لم تعد قادرة على العمل أو الإنتاج. كما ارتفعت البطالة إلى ما يقارب 80% من القوى العاملة، وأصبح معظم سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الإنسانية والغذائية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب محت ما يقارب سبعة عقود من مسار التنمية البشرية والاقتصادية في غزة. الفصل الثاني: الإسكان والعقارات... تدمير الثروة المتراكمة يعد قطاع الإسكان أكبر القطاعات المتضررة من الحرب. فالعقار في غزة لم يكن مجرد مأوى، بل كان يمثل مخزنًا للثروة ومدخرات العائلات الفلسطينية التي استثمرت سنوات طويلة في بناء منازلها وشققها وممتلكاتها. وفق تقييم البنك الدولي: * بلغت قيمة الأضرار في قطاع الإسكان نحو 15.9 مليار دولار. * استحوذ القطاع السكني على 53% من إجمالي الأضرار المسجلة. * تضررت أو دمرت أكثر من 292 ألف وحدة سكنية. * تضررت أحياء كاملة في غزة المدينة وجباليا وبيت حانون وبيت لاهيا وخان يونس ورفح. وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 70% من مباني القطاع تعرضت للتدمير أو الضرر بدرجات متفاوتة. ولم تؤد هذه الخسائر إلى أزمة إسكان فقط، بل تسببت في انهيار جزء كبير من سوق العقارات والإنشاءات وفقدان عشرات آلاف الوظائف المرتبطة بهذا القطاع. الفصل الثالث: التجارة والصناعة... توقف محركات الإنتاج قبل الحرب، كانت آلاف المنشآت الصناعية والتجارية تشكل العمود الفقري للاقتصاد الغزي. وقد ضمت غزة: * مصانع الأغذية. * مصانع الملابس والنسيج. * مصانع الأثاث. * الصناعات البلاستيكية. * الصناعات المعدنية. * الورش الحرفية الصغيرة. لكن الحرب أدت إلى: * تدمير أو إغلاق آلاف المنشآت. * تدمير مخازن البضائع والمواد الخام. * توقف شبه كامل للإنتاج الصناعي. ووفق تقديرات المؤسسات الدولية: * انخفض الإنتاج الصناعي بأكثر من 90%. * تراجع نشاط قطاع الإنشاءات بنسبة 96%. * استحوذ قطاع التجارة والصناعة على نحو 20% من إجمالي الأضرار المباشرة. وأدى ذلك إلى فقدان عشرات آلاف فرص العمل وانهيار القدرة الإنتاجية المحلية. الفصل الرابع: الزراعة... خسارة الأرض ومصدر الغذاء قبل الحرب كان القطاع الزراعي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي. فقد ساهم بما يقارب 10% من الناتج المحلي، ووفر دخلاً مباشرًا وغير مباشر لمئات آلاف المواطنين. لكن صور الأقمار الصناعية وتقارير الأمم المتحدة أظهرت حجمًا هائلًا من التدمير. بحلول عام 2025: * تضرر نحو 86% من الأراضي الزراعية. * لم يبق سوى 1.5% من الأراضي الزراعية قابلة للاستخدام الآمن. * تضرر 71% من البيوت البلاستيكية. * تضرر أكثر من 80% من الآبار الزراعية. وتشير تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية إلى: * تدمير أكثر من 178 ألف دونم زراعي. * تدمير ما يقارب 1000 بئر زراعي. * تدمير مئات مزارع الأبقار والأغنام والدواجن. كما فقد آلاف المزارعين مصدر دخلهم الوحيد. الفصل الخامس: الثروة الحيوانية والسمكية تعرض قطاع الثروة الحيوانية لخسائر ضخمة نتيجة تدمير المزارع ونفوق الحيوانات بسبب القصف ونقص الأعلاف. وتشمل الخسائر: * آلاف رؤوس الأبقار. * عشرات آلاف الأغنام والماعز. * ملايين الدواجن. * مزارع إنتاج البيض والحليب. أما قطاع الصيد البحري فقد تعرض لضربة قاسية: * تدمير عدد كبير من قوارب الصيد. * تضرر الموانئ ومرافئ الصيادين. * توقف آلاف الصيادين عن العمل. وكان القطاع يوفر دخلاً مباشرًا وغير مباشر لنحو 100 ألف شخص قبل الحرب. الفصل السادس: الكهرباء والطاقة تمثل الكهرباء عصب الاقتصاد الحديث، لكن هذا القطاع تعرض لدمار واسع. تشير تقديرات رسمية فلسطينية إلى: * تدمير آلاف الأمتار من شبكات الكهرباء. * تدمير أو تضرر محولات رئيسية. * تعطل محطة التوليد الوحيدة لفترات طويلة. كما دُمر ما يزيد على 3000 كيلومتر من شبكات الكهرباء. وأدى ذلك إلى: * توقف المصانع. * تعطيل المستشفيات. * تراجع الإنتاج الزراعي. * انهيار خدمات المياه والاتصالات. الفصل السابع: المياه والصرف الصحي قبل الحرب كانت غزة تعاني أصلًا أزمة مياه مزمنة. لكن الحرب فاقمت الوضع بصورة غير مسبوقة. وتشير التقديرات إلى: * تدمير أكثر من 700 بئر مياه. * تضرر محطات الضخ. * تدمير أجزاء واسعة من شبكات المياه. * تضرر محطات التحلية. كما تضررت مئات الكيلومترات من شبكات الصرف الصحي. وأدى ذلك إلى تراجع إمدادات المياه وارتفاع المخاطر البيئية والصحية. الفصل الثامن: قطاع الصحة شكل القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات استهدافًا خلال الحرب. ووفق تقديرات الأمم المتحدة: * تعرضت غالبية المستشفيات لأضرار جسيمة. * خرج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة كليًا أو جزئيًا. * تضررت عشرات المراكز الصحية والعيادات. كما فقد القطاع: * أجهزة طبية متقدمة. * مختبرات. * سيارات إسعاف. * مخازن أدوية. وتقدر الخسائر بمئات ملايين الدولارات. الفصل التاسع: التعليم... خسارة رأس المال البشري قبل الحرب كان في غزة: * مئات المدارس الحكومية والخاصة. * الجامعات والكليات والمعاهد. لكن الحرب أدت إلى: * تدمير أو تضرر غالبية المؤسسات التعليمية. * توقف الدراسة لفترات طويلة. * حرمان مئات آلاف الطلبة من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 90% من المباني التعليمية تعرضت للتدمير أو الضرر. ولا تقتصر الخسارة هنا على المباني فقط، بل تشمل خسارة سنوات تعليمية كاملة وتأثيرات طويلة المدى على رأس المال البشري. الفصل العاشر: الطرق والمواصلات تعرضت شبكة الطرق لأضرار هائلة. وتشمل الخسائر: * تدمير مئات الكيلومترات من الطرق. * تدمير الجسور والمعابر الداخلية. * تضرر شبكات النقل والخدمات اللوجستية. وقد أعاق ذلك حركة البضائع والسلع والإغاثة وأعمال الإنقاذ. الفصل الحادي عشر: الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات قبل الحرب كان قطاع الاتصالات أحد القطاعات القليلة التي أظهرت نموًا نسبيًا. لكن الحرب أدت إلى: * تدمير أبراج اتصالات. * تدمير شبكات الألياف الضوئية. * انقطاع خدمات الإنترنت والهاتف بشكل متكرر. كما تضررت شركات البرمجيات والخدمات الرقمية التي كانت توفر فرص عمل للشباب. الفصل الثاني عشر: البنوك والخدمات المالية تعرض النظام المالي الفلسطيني في غزة لخسائر غير مسبوقة. بحسب تقديرات البنك الدولي: * دُمر نحو 93% من فروع البنوك. * تضررت 88% من شركات الصرافة. * تضررت 88% من شركات التأمين. * بقي عدد محدود جدًا من أجهزة الصراف الآلي عاملة. وأدى ذلك إلى: * صعوبة الوصول إلى الأموال. * تعطل العمليات التجارية. * تراجع النشاط المصرفي. الفصل الثالث عشر: سوق العمل كان عدد العاملين في غزة قبل الحرب يقارب 500 ألف عامل بشكل مباشر وغير مباشر. لكن الحرب أدت إلى: * فقدان مئات آلاف الوظائف. * انهيار قطاعات كاملة من التشغيل. * ارتفاع البطالة إلى نحو 80%. كما فقدت غالبية الأسر مصادر دخلها الأساسية. # الفصل الرابع عشر: البلديات والخدمات العامة تعرضت البلديات لخسائر واسعة شملت: * الآليات والمعدات الثقيلة. * المباني الإدارية. * شبكات الطرق. * خدمات النظافة. كما تراجعت قدرة الهيئات المحلية على تقديم الخدمات الأساسية. الفصل الخامس عشر: الركام... الوجه الآخر للخسائر إحدى أكثر الصور تعبيرًا عن حجم الكارثة هي جبال الركام المنتشرة في مختلف أنحاء القطاع. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود ما بين 41 و47 مليون طن من الأنقاض. ويمثل هذا الركام: * منازل مدمرة. * مصانع مدمرة. * مدارس ومستشفيات. * شبكات بنية تحتية كاملة. وتتطلب إزالة الركام وحدها سنوات من العمل ومليارات الدولارات. --- # الفصل السادس عشر: تكلفة إعادة الإعمار بحسب التقييم المشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي: * 53.2 مليار دولار احتياجات إعادة الإعمار والتعافي خلال عشر سنوات. * 20 مليار دولار مطلوبة خلال السنوات الثلاث الأولى. * يشكل الإسكان والبنية التحتية الجزء الأكبر من هذه التكلفة. ومع استمرار الدمار خلال عامي 2025 و2026، ترجح تقديرات دولية أن ترتفع فاتورة إعادة الإعمار إلى مستويات أعلى بكثير. كيف مُحي اقتصاد غزة؟ لم تشهد غزة منذ بداية الاحتلال عام 1967 خسارة اقتصادية بحجم ما تعرضت له منذ 7 أكتوبر 2023. فخلال أقل من عامين، انهارت قطاعات الإسكان والزراعة والصناعة والتجارة والخدمات والبنية التحتية، وتراجع الناتج المحلي بنسبة 83%، وارتفعت البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وتحولت مساحات واسعة من المدن والمخيمات إلى أنقاض. ولا تعكس الأرقام وحدها حجم الكارثة؛ فخلف كل منزل مدمر أسرة فقدت مدخراتها، وخلف كل مصنع متوقف عمال فقدوا مصدر رزقهم، وخلف كل مدرسة أو جامعة مدمرة جيل كامل تعطلت فرصه التعليمية. إن الخسائر الاقتصادية في غزة ليست مجرد أرقام بمليارات الدولارات، بل هي قصة مجتمع كامل تعرضت أسس حياته الاقتصادية والاجتماعية للتدمير، في واحدة من أكبر الكوارث الاقتصادية والإنسانية التي شهدها القرن الحادي والعشرون..