التقارير التحليلية

تغطية صحفية وتقارير مفصلة عن تطورات الأحداث

2026-06-12

قطاع الأعمال الفلسطيني تحت الضغط.. غزة 2023 وإعادة تشكيل بيئة رأس المال بين الانهيار وإعادة التموضع (2000 – 2026)

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يعد الاقتصاد الفلسطيني، في قطاع غزة أو في امتداداته بالضفة الغربية والقدس، يعمل ضمن مسار طبيعي يمكن قياسه بمؤشرات النمو أو الانكماش التقليدية. ما حدث بعد هذا التاريخ لم يكن مجرد صدمة اقتصادية مرتبطة بالحرب، بل تحول بنيوي في طبيعة البيئة التي يتحرك فيها رأس المال الفلسطيني، سواء على مستوى الشركات أو المستثمرين أو المشاريع الكبرى. غزة، التي كانت قبل الحرب تمثل اقتصاداً محدوداً لكنه متماسك نسبياً في قطاعاته الأساسية، دخلت في حالة انهيار إنتاجي شامل. ومع توقف الدورة الاقتصادية الداخلية، لم تتعطل فقط المصانع والأسواق، بل تعطلت معها الروابط غير المرئية التي تربط الاقتصاد الفلسطيني ببعضه البعض، من سلاسل توريد، وتحويلات مالية، وحركة تجارة، وعلاقات تشغيل بين غزة والضفة والخارج. قبل 2023، كان القطاع الخاص الفلسطيني يتحرك داخل بيئة مقيدة لكنها قابلة للإدارة: قيود على الحركة، محدودية في المعابر، صعوبات في التصدير، وتفاوت في الوصول إلى الأسواق. إلا أن هذه البيئة، رغم صعوبتها، كانت تسمح بوجود نماذج استثمارية طويلة الأمد في العقار والخدمات والبنية التحتية، ومحاولات لبناء اقتصاد محلي قائم على مبادرات خاصة في ظل غياب دولة اقتصادية مكتملة. لكن الحرب على غزة أعادت تعريف هذه المعادلة بالكامل. فمع توقف النشاط الاقتصادي في القطاع، لم يخسر الاقتصاد الفلسطيني سوقاً جغرافية فقط، بل خسر جزءاً وظيفياً من بنيته الداخلية، خصوصاً في ما يتعلق بالاستهلاك، والإنتاج، والدورة النقدية التي كانت تغذي قطاعات في الضفة الغربية أيضاً. هذا الانقطاع انعكس بشكل مباشر على بيئة الاستثمار في الضفة الغربية والقدس، حيث بدأت الشركات تواجه ليس فقط تراجعاً في الطلب، بل أيضاً ارتفاعاً في المخاطر التشغيلية، وتقلصاً في القدرة على التخطيط طويل الأمد. ومع الوقت، أصبحت القرارات الاستثمارية أكثر ارتباطاً بعوامل سياسية وأمنية ومالية خارج نطاق السوق نفسه. ضمن هذا السياق، برزت مشاريع استثمارية كبرى قادها رجال أعمال فلسطينيون حاولوا خلال العقدين الأخيرين الدفع باتجاه نماذج تنموية مختلفة، من بينهم بشار المصري، الذي ارتبط اسمه بمشاريع تطوير حضري واسعة، أبرزها مدينة روابي، إلى جانب استثمارات في قطاعات متعددة داخل الضفة الغربية، ومحاولات سابقة لخلق نماذج اقتصادية مرتبطة بقطاع غزة. هذه المشاريع، رغم طابعها الاقتصادي، كانت تعمل دائماً داخل بيئة غير مستقرة، حيث لا يمكن فصل الاستثمار عن الجغرافيا السياسية، ولا فصل النمو الاقتصادي عن القيود المفروضة على الحركة والبنية التحتية والوصول إلى الموارد. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المشاريع جزءاً من محاولة أوسع لإنتاج نموذج اقتصادي فلسطيني قائم على المبادرة الخاصة في ظل نظام اقتصادي غير مكتمل السيادة. بعد 2023، ومع الانهيار الواسع في غزة، دخلت هذه المعادلة مرحلة أكثر تعقيداً. فغياب غزة عن الدورة الاقتصادية الفعلية لم يؤد فقط إلى خسارة سوق استهلاكية وإنتاجية، بل أدى إلى إعادة تشكيل المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الفلسطيني ككل، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بالتمويل، والتوسع، والاستقرار القانوني للمشاريع. في هذا الإطار، ظهرت تطورات قانونية في البيئة الدولية مرتبطة بالحرب على غزة، من بينها دعوى مدنية رُفعت أمام محكمة فدرالية في الولايات المتحدة في عامي 2025 و2026، تقدم بها مئات المدعين من عائلات ضحايا أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استناداً إلى تشريعات أمريكية تتعلق بمكافحة الإرهاب. الدعوى شملت أطرافاً وشبكات اقتصادية يُزعم ارتباطها ببيئات تشغيلية في قطاع غزة، ومن بينها اسم رجل الأعمال بشار المصري، في سياق ادعاءات تتعلق بدور بعض البنى التحتية أو المشاريع الاقتصادية في البيئة العامة التي جرت فيها الأحداث. وفي المقابل، ينفي المصري والشركات المرتبطة به هذه الادعاءات، مؤكداً أن جميع الاستثمارات ذات طبيعة تنموية بحتة، وتهدف إلى خلق فرص عمل وتعزيز الاقتصاد المحلي، دون أي صلة بأي نشاط عسكري أو أمني. وقد دفع فريق الدفاع في هذا الملف باتجاه رفض الدعوى، باعتبارها قائمة على استنتاجات غير مباشرة، وأن تحميل المشاريع التنموية في بيئة نزاع مسلح مسؤوليات مرتبطة بأحداث سياسية أو عسكرية يمثل توسعاً غير مسبوق في مفهوم المسؤولية القانونية. ما يميز هذا النوع من القضايا ليس فقط مضمونها القانوني، بل السياق الذي تظهر فيه، حيث باتت البيئة الاقتصادية الفلسطينية جزءاً من مجال قانوني دولي أكثر تشدداً، تتداخل فيه اعتبارات الامتثال المالي، والمخاطر الجيوسياسية، وتفسير العلاقة بين الاستثمار والبيئة السياسية. وبالتوازي مع ذلك، يتعامل القطاع الخاص الفلسطيني مع شبكة أوسع من القيود البنيوية، تشمل محدودية الوصول إلى الأسواق، وتعطل سلاسل التوريد، والاعتماد الكبير على بيئة سياسية غير مستقرة، ما يجعل أي توسع اقتصادي مشروطاً بعوامل خارجية لا تخضع لاعتبارات السوق فقط. ومع استمرار الحرب على غزة منذ 2023، لم يعد الحديث يدور حول أزمة اقتصادية محلية، بل حول إعادة تشكيل كاملة لوظيفة الاقتصاد الفلسطيني، حيث تراجعت القدرة الإنتاجية، وتقلصت الأسواق، وتعمقت الفجوة بين الإمكانيات الاقتصادية والواقع الفعلي. في المحصلة، يبدو القطاع الخاص الفلسطيني اليوم أمام مرحلة مختلفة تماماً عن العقدين الماضيين. لم يعد التحدي في النمو داخل قيود، بل في إعادة تعريف معنى الاقتصاد نفسه داخل بيئة تتغير فيها قواعد التشغيل والاستثمار بشكل جذري، وتصبح فيها المخاطر السياسية والقانونية جزءاً أساسياً من كل قرار اقتصادي..

2026-06-15

اقتصاد تحت الحصار: الضفة الغربية والقدس الشرقية بين فقدان الدخل، شلل الحركة، وأزمة المقاصة منذ 7 أكتوبر 2023

غزة الذاكرة الحية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية مرحلة غير مسبوقة من الانكماش الاقتصادي، نتيجة تداخل ثلاث صدمات رئيسية تتمثل في فقدان سوق العمل داخل إسرائيل، تشديد القيود على الحركة داخل الضفة الغربية، وتصاعد الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية بسبب احتجاز أموال المقاصة. وتشير بيانات صادرة عن البنك الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، ومنظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن الاقتصاد الفلسطيني تعرض لانكماش يُعد من الأعمق في تاريخه الحديث، مع آثار ممتدة طالت سوق العمل والإنتاج والاستهلاك والمالية العامة. أولاً: انكماش اقتصادي تاريخي تشير بيانات البنك الدولي وUNCTAD إلى أن الاقتصاد الفلسطيني سجل خلال عام 2024 انكماشاً بنحو 27%، وهو من أعلى معدلات التراجع المسجلة في المنطقة خلال فترة قصيرة. كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 70% من مستواه في عام 2022، فيما تراجع نصيب الفرد من الدخل إلى مستويات تعود إلى أوائل الألفية، بما يعادل فقدان أكثر من 22 عاماً من التقدم الاقتصادي. وفي الضفة الغربية تحديداً، تراوحت تقديرات الانكماش بين 19% و23%، نتيجة تراجع الاستهلاك المحلي، وتوقف جزء واسع من الاستثمارات، وتعطل الحركة التجارية الداخلية بين المدن والقرى. ثانياً: سوق العمل – فقدان عشرات آلاف الوظائف قبل 7 أكتوبر 2023، كان يعمل داخل إسرائيل والمستوطنات نحو 177,000 عامل فلسطيني من الضفة الغربية، وهو ما شكل أحد أهم مصادر الدخل للاقتصاد الفلسطيني. بعد اندلاع الحرب، انخفض عدد العمال المسموح لهم بالعمل إلى نحو 24,000 عامل فقط، ما يعني فقدان نحو 153,000 فرصة عمل مباشرة، بنسبة تراجع تقارب 86%. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يخسر يومياً نحو 25.5 مليون دولار من دخل العمال، وهو ما يعادل نحو 765 مليون دولار شهرياً، وحوالي 9.3 مليار دولار سنوياً من الأجور المفقودة. وقد انعكس هذا التراجع بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر، وارتفاع مستويات المديونية، وتراجع الطلب في الأسواق المحلية، إضافة إلى ضغوط متزايدة على الجهاز المصرفي. ثالثاً: البطالة – أزمة متفاقمة في سوق العمل وفق بيانات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ارتفعت معدلات البطالة في الضفة الغربية من نحو 13% قبل الحرب إلى ذروة وصلت إلى نحو 35% في الأشهر الأولى من الأزمة، قبل أن تستقر لاحقاً عند مستويات تتراوح بين 28% و29% خلال عام 2025. وبناءً على تقديرات حجم القوى العاملة في الضفة الغربية والتي تقارب 900 ألف عامل، فإن هذه النسب تعني وجود ما بين 250 ألفاً و315 ألف عاطل عن العمل، وهو مستوى غير مسبوق في السوق الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة. رابعاً: أموال المقاصة – الأزمة المالية الأشد تشكل أموال المقاصة التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية العمود الفقري للإيرادات العامة، إذ تمثل أكثر من 65% من دخل الخزينة الفلسطينية. وفي تصريحات رسمية لوزير المالية الفلسطيني، أشار إلى أن إسرائيل تحتجز وتقتطع جزءاً كبيراً من أموال المقاصة، وأن إجمالي الأموال المجمدة والمحتجزة يقدَّر بنحو يتراوح بين 4.4 و5 مليارات دولار، وهو ما يعكس حجم الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية خلال العامين الأخيرين. وتؤكد وزارة المالية أن هذه الاقتطاعات تراكمت خلال السنوات الأخيرة، وأدت إلى أزمة سيولة حادة انعكست على انتظام دفع الرواتب، حيث تم صرف رواتب جزئية في فترات متعددة، إضافة إلى توسع الاعتماد على الاقتراض من البنوك المحلية وتأجيل التزامات تجاه القطاع الخاص. كما تشير تقديرات البنك الدولي وUNCTAD إلى أن إجمالي الاقتطاعات الإسرائيلية من عائدات المقاصة خلال الفترة 2019–2025 يتراوح بين 1.7 و2.0 مليار دولار، ما يجعل ملف المقاصة أحد أخطر مصادر الضغط المالي على الاقتصاد الفلسطيني. خامساً: الحواجز والإغلاقات وتفكك الجغرافيا الاقتصادية تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن عدد العوائق والحواجز في الضفة الغربية ارتفع من نحو 642 عائقاً في منتصف عام 2023 إلى نحو 793 عائقاً في عام 2024، ثم إلى نحو 925 عائقاً بحلول عام 2025، بما يعكس زيادة تقارب 43%. وقد أدت هذه القيود إلى إطالة زمن التنقل بين المدن الفلسطينية إلى ما بين ضعفين وخمسة أضعاف، وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وتعطل سلاسل التوريد الداخلية، وتحويل الضفة الغربية إلى مناطق اقتصادية شبه منفصلة، ما أثر بشكل مباشر على التجارة والإنتاج. سادساً: القطاع الخاص – انكماش واسع في النشاط الاقتصادي تشير استطلاعات اقتصادية إلى أن نحو 95% من الشركات الفلسطينية سجلت انخفاضاً في المبيعات، فيما أفادت 76% من الشركات بوجود مشاكل في النقل والتوزيع، وأشارت نحو 29% منها إلى أنها اضطرت إلى الإغلاق الجزئي أو الكامل خلال فترات من الأزمة. ويعكس ذلك حالة تراجع واسعة في النشاط الاقتصادي نتيجة انخفاض الطلب وتدهور القدرة الشرائية. سابعاً: قطاع البناء والزراعة يعد قطاع البناء من أكثر القطاعات تضرراً بسبب اعتماده الكبير على العمال الفلسطينيين في الداخل، حيث أدى توقف دخول العمال إلى إسرائيل إلى شلل جزئي في القطاع، وتوقف أو تباطؤ آلاف المشاريع السكنية، إضافة إلى انخفاض الطلب على مواد البناء وخسائر تُقدّر بمئات ملايين الدولارات. أما القطاع الزراعي، فقد تأثر نتيجة منع الوصول إلى أراضٍ قريبة من الجدار والمستوطنات، وتراجع مواسم الإنتاج، خصوصاً موسم الزيتون في عامي 2023 و2024، إضافة إلى صعوبات في التسويق والنقل، ما أدى إلى خسائر متراكمة في دخل المزارعين. ثامناً: الاقتحامات والأثر الاقتصادي غير المباشر أدت الاقتحامات العسكرية المتكررة في مدن ومخيمات الضفة الغربية إلى إغلاقات متكررة للأسواق، وتعطيل المؤسسات التعليمية والاقتصادية لساعات أو أيام، إضافة إلى أضرار في البنية التحتية من طرق ومياه وكهرباء واتصالات، ما تسبب بخسائر تشغيلية يومية غير مباشرة، يصعب حصرها بدقة لكنها تتكرر بشكل مستمر في عدة مناطق. تاسعاً: القدس الشرقية – اقتصاد تحت الضغط شهدت القدس الشرقية تراجعاً ملحوظاً في النشاط الاقتصادي، خاصة في قطاع السياحة الداخلية والدينية، وانخفاض حركة الأسواق في البلدة القديمة، إلى جانب إغلاق أو تقليص عمل مئات المنشآت التجارية، وتراجع أداء قطاعي الفنادق والمطاعم نتيجة تراجع الحركة القادمة من الضفة الغربية. تشير مجمل البيانات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية دخل منذ 7 أكتوبر 2023 مرحلة من الانكماش العميق والمتداخل، حيث تزامن فقدان عشرات آلاف الوظائف، مع أزمة سيولة حادة نتيجة احتجاز أموال المقاصة، وتقييد الحركة الداخلية عبر الحواجز والإغلاقات. وبحسب البنك الدولي، فإن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى ترسيخ حالة من الركود الاقتصادي طويل الأمد، يصعب تعويضها حتى في حال حدوث تحسن سياسي أو أمني لاحق، ما يجعل الأزمة الحالية واحدة من أخطر التحولات الاقتصادية التي يشهدها الاقتصاد الفلسطيني في تاريخه الحديث..

2026-06-10

من اقتصادٍ محاصر إلى اقتصادٍ تحت الأنقاض.. الخسائر الاقتصادية في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023

غزة الذاكرة الحية- 9/6/2026- عندما اندلعت الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن الدمار مقتصرًا على المباني السكنية أو المنشآت المدنية، بل امتد ليطال البنية الاقتصادية بأكملها. خلال أشهر قليلة، تعرض اقتصاد القطاع لضربة غير مسبوقة، دفعت المؤسسات الدولية إلى وصف ما جرى بأنه أحد أكبر الانهيارات الاقتصادية التي شهدها العالم في منطقة محدودة المساحة خلال العصر الحديث. فغزة، التي تبلغ مساحتها نحو 365 كيلومترًا مربعًا ويقطنها أكثر من 2.3 مليون نسمة، كانت تعاني أصلًا من آثار حصار مستمر منذ عام 2007، وبطالة تجاوزت 45% قبل الحرب، واقتصاد هش يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية. ومع اندلاع الحرب، انهارت معظم القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والخدمية، وتعرضت البنية التحتية لدمار واسع النطاق. وبحسب التقييم المشترك الصادر عن الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي في فبراير/شباط 2025، بلغت قيمة الأضرار المباشرة نحو 30 مليار دولار، فيما وصلت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف الأنشطة الإنتاجية والخدمية إلى نحو 19 مليار دولار، ليصل إجمالي الأضرار والخسائر إلى ما يقارب 49 مليار دولار خلال السنة الأولى للحرب فقط. الفصل الأول: اقتصاد فقد معظم قدرته على الحياة قبل الحرب، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة نحو 3 مليارات دولار سنويًا، رغم الحصار والقيود المفروضة على الحركة والتجارة. لكن خلال عام 2024، سجل الاقتصاد الغزي أكبر انهيار في تاريخه الحديث. تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 83% خلال عام 2024، بينما تراجع الناتج المحلي إلى نحو 362 مليون دولار فقط. هذا الانهيار يعني أن معظم الأنشطة الاقتصادية توقفت أو تلاشت، وأن آلاف المنشآت لم تعد قادرة على العمل أو الإنتاج. كما ارتفعت البطالة إلى ما يقارب 80% من القوى العاملة، وأصبح معظم سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الإنسانية والغذائية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب محت ما يقارب سبعة عقود من مسار التنمية البشرية والاقتصادية في غزة. الفصل الثاني: الإسكان والعقارات... تدمير الثروة المتراكمة يعد قطاع الإسكان أكبر القطاعات المتضررة من الحرب. فالعقار في غزة لم يكن مجرد مأوى، بل كان يمثل مخزنًا للثروة ومدخرات العائلات الفلسطينية التي استثمرت سنوات طويلة في بناء منازلها وشققها وممتلكاتها. وفق تقييم البنك الدولي: * بلغت قيمة الأضرار في قطاع الإسكان نحو 15.9 مليار دولار. * استحوذ القطاع السكني على 53% من إجمالي الأضرار المسجلة. * تضررت أو دمرت أكثر من 292 ألف وحدة سكنية. * تضررت أحياء كاملة في غزة المدينة وجباليا وبيت حانون وبيت لاهيا وخان يونس ورفح. وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 70% من مباني القطاع تعرضت للتدمير أو الضرر بدرجات متفاوتة. ولم تؤد هذه الخسائر إلى أزمة إسكان فقط، بل تسببت في انهيار جزء كبير من سوق العقارات والإنشاءات وفقدان عشرات آلاف الوظائف المرتبطة بهذا القطاع. الفصل الثالث: التجارة والصناعة... توقف محركات الإنتاج قبل الحرب، كانت آلاف المنشآت الصناعية والتجارية تشكل العمود الفقري للاقتصاد الغزي. وقد ضمت غزة: * مصانع الأغذية. * مصانع الملابس والنسيج. * مصانع الأثاث. * الصناعات البلاستيكية. * الصناعات المعدنية. * الورش الحرفية الصغيرة. لكن الحرب أدت إلى: * تدمير أو إغلاق آلاف المنشآت. * تدمير مخازن البضائع والمواد الخام. * توقف شبه كامل للإنتاج الصناعي. ووفق تقديرات المؤسسات الدولية: * انخفض الإنتاج الصناعي بأكثر من 90%. * تراجع نشاط قطاع الإنشاءات بنسبة 96%. * استحوذ قطاع التجارة والصناعة على نحو 20% من إجمالي الأضرار المباشرة. وأدى ذلك إلى فقدان عشرات آلاف فرص العمل وانهيار القدرة الإنتاجية المحلية. الفصل الرابع: الزراعة... خسارة الأرض ومصدر الغذاء قبل الحرب كان القطاع الزراعي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي. فقد ساهم بما يقارب 10% من الناتج المحلي، ووفر دخلاً مباشرًا وغير مباشر لمئات آلاف المواطنين. لكن صور الأقمار الصناعية وتقارير الأمم المتحدة أظهرت حجمًا هائلًا من التدمير. بحلول عام 2025: * تضرر نحو 86% من الأراضي الزراعية. * لم يبق سوى 1.5% من الأراضي الزراعية قابلة للاستخدام الآمن. * تضرر 71% من البيوت البلاستيكية. * تضرر أكثر من 80% من الآبار الزراعية. وتشير تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية إلى: * تدمير أكثر من 178 ألف دونم زراعي. * تدمير ما يقارب 1000 بئر زراعي. * تدمير مئات مزارع الأبقار والأغنام والدواجن. كما فقد آلاف المزارعين مصدر دخلهم الوحيد. الفصل الخامس: الثروة الحيوانية والسمكية تعرض قطاع الثروة الحيوانية لخسائر ضخمة نتيجة تدمير المزارع ونفوق الحيوانات بسبب القصف ونقص الأعلاف. وتشمل الخسائر: * آلاف رؤوس الأبقار. * عشرات آلاف الأغنام والماعز. * ملايين الدواجن. * مزارع إنتاج البيض والحليب. أما قطاع الصيد البحري فقد تعرض لضربة قاسية: * تدمير عدد كبير من قوارب الصيد. * تضرر الموانئ ومرافئ الصيادين. * توقف آلاف الصيادين عن العمل. وكان القطاع يوفر دخلاً مباشرًا وغير مباشر لنحو 100 ألف شخص قبل الحرب. الفصل السادس: الكهرباء والطاقة تمثل الكهرباء عصب الاقتصاد الحديث، لكن هذا القطاع تعرض لدمار واسع. تشير تقديرات رسمية فلسطينية إلى: * تدمير آلاف الأمتار من شبكات الكهرباء. * تدمير أو تضرر محولات رئيسية. * تعطل محطة التوليد الوحيدة لفترات طويلة. كما دُمر ما يزيد على 3000 كيلومتر من شبكات الكهرباء. وأدى ذلك إلى: * توقف المصانع. * تعطيل المستشفيات. * تراجع الإنتاج الزراعي. * انهيار خدمات المياه والاتصالات. الفصل السابع: المياه والصرف الصحي قبل الحرب كانت غزة تعاني أصلًا أزمة مياه مزمنة. لكن الحرب فاقمت الوضع بصورة غير مسبوقة. وتشير التقديرات إلى: * تدمير أكثر من 700 بئر مياه. * تضرر محطات الضخ. * تدمير أجزاء واسعة من شبكات المياه. * تضرر محطات التحلية. كما تضررت مئات الكيلومترات من شبكات الصرف الصحي. وأدى ذلك إلى تراجع إمدادات المياه وارتفاع المخاطر البيئية والصحية. الفصل الثامن: قطاع الصحة شكل القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات استهدافًا خلال الحرب. ووفق تقديرات الأمم المتحدة: * تعرضت غالبية المستشفيات لأضرار جسيمة. * خرج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة كليًا أو جزئيًا. * تضررت عشرات المراكز الصحية والعيادات. كما فقد القطاع: * أجهزة طبية متقدمة. * مختبرات. * سيارات إسعاف. * مخازن أدوية. وتقدر الخسائر بمئات ملايين الدولارات. الفصل التاسع: التعليم... خسارة رأس المال البشري قبل الحرب كان في غزة: * مئات المدارس الحكومية والخاصة. * الجامعات والكليات والمعاهد. لكن الحرب أدت إلى: * تدمير أو تضرر غالبية المؤسسات التعليمية. * توقف الدراسة لفترات طويلة. * حرمان مئات آلاف الطلبة من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 90% من المباني التعليمية تعرضت للتدمير أو الضرر. ولا تقتصر الخسارة هنا على المباني فقط، بل تشمل خسارة سنوات تعليمية كاملة وتأثيرات طويلة المدى على رأس المال البشري. الفصل العاشر: الطرق والمواصلات تعرضت شبكة الطرق لأضرار هائلة. وتشمل الخسائر: * تدمير مئات الكيلومترات من الطرق. * تدمير الجسور والمعابر الداخلية. * تضرر شبكات النقل والخدمات اللوجستية. وقد أعاق ذلك حركة البضائع والسلع والإغاثة وأعمال الإنقاذ. الفصل الحادي عشر: الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات قبل الحرب كان قطاع الاتصالات أحد القطاعات القليلة التي أظهرت نموًا نسبيًا. لكن الحرب أدت إلى: * تدمير أبراج اتصالات. * تدمير شبكات الألياف الضوئية. * انقطاع خدمات الإنترنت والهاتف بشكل متكرر. كما تضررت شركات البرمجيات والخدمات الرقمية التي كانت توفر فرص عمل للشباب. الفصل الثاني عشر: البنوك والخدمات المالية تعرض النظام المالي الفلسطيني في غزة لخسائر غير مسبوقة. بحسب تقديرات البنك الدولي: * دُمر نحو 93% من فروع البنوك. * تضررت 88% من شركات الصرافة. * تضررت 88% من شركات التأمين. * بقي عدد محدود جدًا من أجهزة الصراف الآلي عاملة. وأدى ذلك إلى: * صعوبة الوصول إلى الأموال. * تعطل العمليات التجارية. * تراجع النشاط المصرفي. الفصل الثالث عشر: سوق العمل كان عدد العاملين في غزة قبل الحرب يقارب 500 ألف عامل بشكل مباشر وغير مباشر. لكن الحرب أدت إلى: * فقدان مئات آلاف الوظائف. * انهيار قطاعات كاملة من التشغيل. * ارتفاع البطالة إلى نحو 80%. كما فقدت غالبية الأسر مصادر دخلها الأساسية. # الفصل الرابع عشر: البلديات والخدمات العامة تعرضت البلديات لخسائر واسعة شملت: * الآليات والمعدات الثقيلة. * المباني الإدارية. * شبكات الطرق. * خدمات النظافة. كما تراجعت قدرة الهيئات المحلية على تقديم الخدمات الأساسية. الفصل الخامس عشر: الركام... الوجه الآخر للخسائر إحدى أكثر الصور تعبيرًا عن حجم الكارثة هي جبال الركام المنتشرة في مختلف أنحاء القطاع. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود ما بين 41 و47 مليون طن من الأنقاض. ويمثل هذا الركام: * منازل مدمرة. * مصانع مدمرة. * مدارس ومستشفيات. * شبكات بنية تحتية كاملة. وتتطلب إزالة الركام وحدها سنوات من العمل ومليارات الدولارات. --- # الفصل السادس عشر: تكلفة إعادة الإعمار بحسب التقييم المشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي: * 53.2 مليار دولار احتياجات إعادة الإعمار والتعافي خلال عشر سنوات. * 20 مليار دولار مطلوبة خلال السنوات الثلاث الأولى. * يشكل الإسكان والبنية التحتية الجزء الأكبر من هذه التكلفة. ومع استمرار الدمار خلال عامي 2025 و2026، ترجح تقديرات دولية أن ترتفع فاتورة إعادة الإعمار إلى مستويات أعلى بكثير. كيف مُحي اقتصاد غزة؟ لم تشهد غزة منذ بداية الاحتلال عام 1967 خسارة اقتصادية بحجم ما تعرضت له منذ 7 أكتوبر 2023. فخلال أقل من عامين، انهارت قطاعات الإسكان والزراعة والصناعة والتجارة والخدمات والبنية التحتية، وتراجع الناتج المحلي بنسبة 83%، وارتفعت البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وتحولت مساحات واسعة من المدن والمخيمات إلى أنقاض. ولا تعكس الأرقام وحدها حجم الكارثة؛ فخلف كل منزل مدمر أسرة فقدت مدخراتها، وخلف كل مصنع متوقف عمال فقدوا مصدر رزقهم، وخلف كل مدرسة أو جامعة مدمرة جيل كامل تعطلت فرصه التعليمية. إن الخسائر الاقتصادية في غزة ليست مجرد أرقام بمليارات الدولارات، بل هي قصة مجتمع كامل تعرضت أسس حياته الاقتصادية والاجتماعية للتدمير، في واحدة من أكبر الكوارث الاقتصادية والإنسانية التي شهدها القرن الحادي والعشرون..